.

اراء و اقلام الدستور – إيران وحيدة في الميدان: أين موسكو وبكين؟

سامر الشخشير30 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – إيران وحيدة في الميدان: أين موسكو وبكين؟


دستور نيوز

بقلم د. سمير صالحة
“أساس ميديا”
تواجه إيران اليوم اختبارا مزدوجا: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليمية، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية، التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها.
لم تعد أذرع إيران في لبنان والعراق وسوريا واليمن أدوات فعالة كما كانت في السابق، بسبب الخسائر العسكرية المستمرة، والضغوط الشعبية، والتغيرات في التحالفات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، يضع هذا الواقع حلفاء إيران أمام خيارات صعبة: إما الانسحاب تدريجياً، أو محاولة تقديم دعم غير مباشر من خلال عمليات محدودة، أو البحث عن إعادة تموضع استراتيجي بعيداً عن المظلة الإيرانية.
كل هذا يحدث كرحلة على حافة الهاوية بين الحماس والمخاطرة، حيث كل خطوة قد تقربهما أو تتباعد بينهما وتحدد مستقبل العلاقة. وهو اختبار عاجل ينتظر الطرفين.
استغلال الفراغ
على مدار العقود الماضية، قامت إيران ببناء شبكة من التحالفات العسكرية والسياسية والدينية في الشرق الأوسط، مستفيدة من الفراغ الأمني ​​والسياسي والنفوذ الطائفي لتعزيز قوتها الإقليمية. وكان من المتوقع أن يتحرك حلفاؤها بحماس أكبر على الجبهات في مواجهة التصعيد الأميركي الإسرائيلي، لكن الوقائع أظهرت محدودية هذا الدعم.
ويعكس غياب الأدوات الإيرانية في المواجهة تراكما لعوامل عسكرية وسياسية واقتصادية تجعل أي اشتباك مباشر محفوفا بالمخاطر، بدءا من الضربات الإسرائيلية الموجعة، مرورا بالتحديات السياسية والاجتماعية والمالية التي تواجهها هذه الفصائل، وصولا إلى تغيرات التوازنات الإقليمية التي حدت من نطاق المناورة الإيرانية. وحتى حليفتا إيران الاستراتيجيتان، روسيا والصين، أبدتا تحفظات كبيرة على استمرار طهران في سياسة دعم الشركاء، والتي كانت من بين أسباب المواجهة العسكرية الحالية مع إسرائيل وأميركا.
ويسلط ماضي طهران الاستراتيجي الضوء على نمط واضح من استغلال الفراغات لتعزيز الهيمنة عبر أدواتها، بدءاً من لبنان في الثمانينيات، مروراً بالعراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وصولاً إلى سوريا واليمن في العقدين الأخيرين. لكن هذه الفرص لم تعد ممكنة كما كانت من قبل.
وتواجه إيران اليوم تحدياً حقيقياً في قراءة المشهد الإقليمي وإعادة ترتيب تحالفاتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد الذي يفرضه تجاهل الحلفاء التقليديين بسبب الضغوط الأميركية والإسرائيلية المتزايدة التي تتعرض لها وتغير أولويات الدول الإقليمية الفاعلة.
في مواجهة هذه الحقائق، تضاءلت خيارات إيران على مستوى السيناريوهات الاستراتيجية: التصعيد المباشر محفوف بمزيد من الخطر، والدعم المباشر وغير المباشر للسلاح له تأثير محدود، ومحاولات نقل التوتر إلى ساحات إقليمية أوسع تعكس إدارة الأزمات أكثر مما تعكس القدرة على توسيع نطاق النفوذ.
ومن هنا فإن تراجع تحالفاتها في المنطقة يضع إيران على مفترق طرق استراتيجي: إما التراجع التدريجي نحو تعزيز موقعها الدفاعي، أو محاولة القفز إلى الأمام من خلال إعادة تموضع أوسع قد يحمل الكثير من الغموض وطريقاً إلى المجهول.
وأظهرت التغيرات العسكرية على الجبهات حدود رهان إيران على الدعم الروسي والصيني. ولم ترتقي العلاقات المتطورة مع موسكو وبكين إلى مستوى تحالف دفاعي ملزم قادر على توفير الحماية الاستراتيجية عند الحاجة. ومن هنا، فإن طهران تواجه، إلى حد كبير، التصعيد الأميركي الإسرائيلي وحدها، حيث أن حسابات المصالح الثنائية والإقليمية لشركائها تتقدم على أي التزام سياسي أو عسكري مباشر.
ومن ناحية أخرى، فإن التحولات في العلاقات الإقليمية، بما في ذلك مسارات التقارب بين أنقرة والرياض والقاهرة وإسلام آباد، تحد من قدرة إيران على مواصلة استغلال الفراغ الجيوسياسي الذي استفادت منه منذ عقود. وتتجه بيئة المنطقة تدريجياً نحو مزيد من التنسيق بين القوى، ما يضيق مجال المناورة في مواجهة الاعتماد على التشبث بورقة السلاح.
تغيير الاستراتيجيات
تكشف التغيرات المتلاحقة على الأرض عن نمط مماثل من التراجع التدريجي في دور إيران وأدواتها. وفي العراق، تتزايد الضغوط الداخلية والدولية، مما يحد من قدرة طهران على توظيف فصائلها المسلحة بشكل فعال. وفي لبنان، تواجه شبكة التحالفات الإيرانية تحديات تقليص هامش الحركة «الحزبية»، فيما تبدو الساحة اليمنية أقل قدرة على لعب دور ورقة الضغط بسبب الاستنزاف المستمر والتصعيد العربي والإقليمي. وأمام هذا الواقع فإن خيارات إيران محدودة، ويصبح دورها في صياغة السياسات الإقليمية أقل تأثيراً وأكثر اهتماماً بإدارة الأزمات في انتظار ما سيأتي بعد ذلك.
ولم يعد النموذج الإيراني القائم على الأدوات الطائفية والميليشيات واستعراض القوة العسكرية فعالا في بيئة إقليمية تتجه نحو تعزيز دور الدولة ومراقبة الجهات الفاعلة غير الحكومية. إن ما نشهده قد لا يكون تراجعاً تكتيكياً، بل بداية تحول استراتيجي يؤثر على العقيدة العملياتية الإيرانية نفسها.
تواجه إيران اليوم نقطة تحول. وبعد سقوط منظومة تحالفاتها وشراكاتها في المنطقة، أصبح لا بد لها من تحديث خياراتها واتخاذ خطوات جذرية تشمل مراجعة سياساتها وإعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية، وربما البحث عن التقارب مع قوى فاعلة ومؤثرة مثل أنقرة والرياض والقاهرة.
وتمثل هذه اللحظة اختباراً حقيقياً لإستراتيجيات إيران القديمة وقدرتها على مواجهة متطلبات أكثر واقعية. واليوم تعيش إيران واقعاً يخالف كل حساباتها، وقد يحول نفوذها الجغرافي إلى عبء استراتيجي عليها يحسم المواجهة قبل أن تبدأ إذا لم تعالج خياراتها بسرعة وذكاء.
د. سمير صالحة

#إيران #وحيدة #في #الميدان #أين #موسكو #وبكين

إيران وحيدة في الميدان: أين موسكو وبكين؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إيران وحيدة في الميدان: أين موسكو وبكين؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.