دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
في لحظة وطنية حرجة يمر بها لبنان، حيث تتآكل مؤسسات الدولة تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والتوترات السياسية الشديدة، تتصاعد حملة منظمة تستهدف قائد الجيش الجنرال رودولف هيكل. هذه الحملة، مهما اختلفت عناوينها الظاهرة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق سياسي أوسع يتجاوز شخص القائد ليشمل المؤسسة العسكرية نفسها، باعتبارها إحدى الركائز القليلة التي لا تزال تحافظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة واستقرارها.
لم يكن الجيش اللبناني يوماً مجرد جهاز عسكري تقليدي، بل كان دائماً مؤسسة وطنية شاملة، تعكس في بنيته وروحه تنوع المجتمع اللبناني وتوازناته الدقيقة. ومن هنا فإن استهداف قيادته في هذا الظرف الحساس لا يندرج في إطار النقد السياسي المشروع بقدر ما يندرج في إطار محاولة إضعاف آخر مؤسسات الدولة القادرة على إمساك خيط الاستقرار.
أثبت الفريق أول رودولف هيكل، منذ توليه قيادة الجيش، أنه ينتمي إلى مدرسة عسكرية تقوم على الانضباط الصارم، والمهنية العالية، والرؤية الوطنية الشاملة. فالرجل الذي يتمتع بخبرة عسكرية وميدانية واسعة، يجمع بين الكفاءة المهنية والأخلاق العالية التي طالما تميز بها ضباط المؤسسة العسكرية اللبنانية. كما أنه يتمتع ببصيرة استراتيجية يدرك من خلالها دقة التوازنات اللبنانية، وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية أو مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب.
ولعل ما يميز قيادة العماد هيكل هو إدراكه العميق أن وظيفة الجيش في لبنان لا تقتصر على الدفاع العسكري عن الحدود، بل تتعدى ذلك إلى حماية السلم الأهلي والحفاظ على العيش المشترك بين اللبنانيين. وفي بلد شديد الحساسية مثل لبنان، حيث تتشابك الانقسامات السياسية والطائفية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح الجيش الضامن الأخير لوحدة الكيان واستمرارية الدولة. ومن هنا، يمكن فهم الموقف الثابت لقائد الجيش في مواجهة أي محاولة لإقحام المؤسسة العسكرية في صراعات داخلية أو إقليمية تتجاوز قدرتها أو دورها الدستوري. إن الحكمة العسكرية، كما يقول العماد هيكل، تقوم على حماية لبنان من الانزلاق إلى مواجهات غير متكافئة، وعلى تجنيب اللبنانيين تكاليف حروب مدمرة لا يستطيعون تحملها.
وتحويل قائد الجيش إلى هدف سياسي يومي لا يضعف شخصاً بعينه، بل يضعف المؤسسة نفسها. وفي بلد انهارت فيه معظم مؤسسات الدولة – من الاقتصاد إلى الإدارة العامة – يظل الجيش أحد الركائز القليلة التي لا تزال تحمل خيط الاستقرار. لذا، فإن مهاجمة هذه المؤسسة، أو التشكيك في قيادتها، يحمل في طياته مخاطر تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لأنه يمس بآخر مؤسسة وطنية موحدة قادرة على حماية البلاد من الانهيار الكامل.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أهمية وطنية خاصة. فالرئيس الذي خرج من رحم المؤسسة العسكرية يدرك أكثر من أي شخص آخر طبيعة الدور الذي يلعبه الجيش في الحفاظ على استقرار لبنان. ومن هنا موقفه الثابت من الجيش كخط أحمر لا يمكن المساس به، وتحذيره الواضح من أن زعزعة هذه المؤسسة سيعرض الوطن كله للخطر.
وعبّر الرئيس عون بوضوح عن هذا الموقف خلال زيارته قيادة الجيش في اليرزة، عندما أكد أن الجيش مؤسسة وطنية تخدم مصالح لبنان وكل اللبنانيين، وأن الحملات التي تستهدفه لن تؤثر على أدائه أو عزيمة ضباطه وجنوده. كما أكد أنه سيقف سداً منيعاً في وجه أي محاولة للمساس بالمؤسسة العسكرية أو قائدها.
وهذا الموقف الرئاسي لا يشكل مجرد تضامن شخصي مع قائد الجيش، بل يعكس وعياً عميقاً بخطورة المرحلة التي يمر بها لبنان. واليوم، تقف البلاد على مفترق طرق حاسم، حيث يمكن لأي انزلاق غير محسوب أن يفتح الباب أمام الفوضى الداخلية أو حرب إقليمية مدمرة.
وفي هذا السياق، تبدو حكمة قيادة الجيش اليوم عاملاً أساسياً في تجنيب لبنان الانفجار. إن التعامل مع التحديات الأمنية المعقدة يتطلب إيجاد توازن دقيق بين العزيمة العسكرية والرؤية السياسية، وهو ما يتجلى بوضوح في أداء الجنرال رودولف هيكل، الذي يضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر.
المرحلة الحالية تتطلب من كل اللبنانيين أن يدركوا حقيقة بسيطة ولكنها أساسية: عندما يهتز الجيش يصبح الوطن كله مهددا. ولذلك فإن حماية المؤسسة العسكرية ودعم قيادتها ليست مسألة سياسية أو طائفية، بل هي مسألة تتعلق ببقاء الدولة نفسها. ومن هنا، فإن الاعتداء على قائد الجيش لا يمكن اعتباره مجرد نقاش سياسي عابر، بل اعتداء على مؤسسة تشكل الضمانة الأخيرة لوحدة لبنان واستقراره. وفي زمن الانهيارات الكبرى، لا تزال الحكمة الوطنية تقتضي حماية هذه المؤسسة وتعزيز ثقة اللبنانيين بها، لأنها تمثل اليوم إحدى الركائز الأخيرة التي يرتكز عليها الكيان اللبناني في مواجهة العواصف.
وفي الختام، يدرك قائد الجيش الفريق أول رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية ليست كياناً منفصلاً عن الدولة، بل هي إحدى ركائزها الأساسية، ومن هنا يأتي التزامه الصارم بالشرعية الدستورية وبقرارات مجلس الوزراء، باعتبارها السلطة التنفيذية المخولة برسم السياسات العامة للدولة. لكن هذا الالتزام لا يعني تنفيذاً ميكانيكياً أو متسرعاً، بل تنفيذاً حكيماً يأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع اللبناني وحساسية توازناته الدقيقة. المسؤولية الوطنية تقتضي أن يتم تنفيذ القرارات بما يحفظ أمن الوطن وسلامة مجتمعه، ويحفظ السلم الأهلي، ويحمي في الوقت نفسه تماسك المؤسسة العسكرية وحصانتها، باعتبارها المؤسسة الجامعة التي تحتضن أبناء لبنان على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم.
في المقابل، يبقى الجيش اللبناني، بقيادته وضباطه وجنوده، في موقعه الطبيعي على خط الدفاع الأول عن سيادة الوطن. ويلتزم العماد هيكل، كما كان معروفاً طوال مسيرته العسكرية، التزاماً حازماً بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والدفاع عن كل شبر من أرض لبنان، في إطار الواجب الوطني الذي أوكله الدستور إلى المؤسسة العسكرية. لم يكن الجيش يوما جيش طائفة أو طائفة، بل هو جيش الوطن كله، ومؤسسة شاملة تمثل كل اللبنانيين دون استثناء.
ومن هنا فإن حماية الجيش ودعم قيادته ليست مجرد مسألة تضامن مع مؤسسة عسكرية، بل هي دفاع عن وحدة لبنان واستقراره ومستقبله. وتبقى المؤسسة العسكرية، في أوقات الأزمات الكبرى، الضامن الحقيقي لوحدة الدولة، والحصن المنيع ضد الفتن والانقسامات، والرمز الدائم للشرف والتضحية والوفاء للوطن.
د. ابراهيم العرب
#يمنع #إهانة #قائد #الجيش
يمنع إهانة قائد الجيش
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – يمنع إهانة قائد الجيش
المصدر : www.elsharkonline.com
