.

اراء و اقلام الدستور – العالم يواجه نقصاً غريباً.. ماذا يحدث للبخور؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير24 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – العالم يواجه نقصاً غريباً.. ماذا يحدث للبخور؟ – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

شفيق طاهر

الاثنين 23 فبراير 2026 – 12:35

المصدر: المدن

ويعود البخور إلى قلب التاريخ الديني والتجاري في منطقة الشرق الأوسط، مهد الأديان والحضارات. ورافقت المعابد القديمة والطقوس الروحية والقوافل التجارية التي عبرت الصحارى والبحار، حتى أصبحت رمزا للحضور المقدس وللاقتصاد على حد سواء. لكن هناك سؤال يطرح اليوم وهو: هل يمكن لهذا المورد الذي يبدو ظاهرياً بسيطاً ومتجدداً أن ينفد؟

الجواب ليس حاسما بنعم أو لا، لكنه يشير إلى أن العالم لن يفقد البخور تماما على المدى القريب. إلا أن المصادر الطبيعية التي يعتمد عليها هذا المنتج مهددة بالفعل بالانقراض، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية فقد نشهد تراجعا كبيرا في إنتاجه وارتفاعا كبيرا في سعره خلال هذا القرن.

القيمة الدينية للبخور

منذ القدم، ارتبط البخور بالعبادة والروحانية في مختلف الأديان والثقافات. وكان ينظر إلى دخانه العطر المتصاعد رمزا للدعاء والتطهير الداخلي، وكان يستخدم في المعابد والكنائس والمساجد والطقوس الشعبية لإضفاء الشعور بالطمأنينة والرهبة. في التقاليد الشرقية، يعتبر البخور وسيلة لإعداد المكان والقلوب للعبادة، وتذكيرًا بحضور يتجاوز العالم المادي. لذلك، لم تكن مجرد مادة عطرية، بل كانت جزءًا من تجربة روحية عميقة مستمرة حتى يومنا هذا.

شجرة مقدسة… في خطر حقيقي

البخور، في جوهره، عبارة عن راتينج عطري. الراتنج مادة طبيعية لزجة تفرزها بعض الأشجار كوسيلة للحماية عند إصابتها أو جرحها. تخرج المادة في البداية بشكل شبه سائل، ثم تتصلب مع مرور الوقت لتصبح شفافة أو ذات لون عسلي. وأشهر أنواع هذه الأشجار منتشرة في سلطنة عمان واليمن والصومال وإثيوبيا، بالإضافة إلى بعض مناطق السودان والهند. تعيش هذه الأشجار في بيئات قاسية، على المنحدرات الصخرية أو الأراضي شبه القاحلة، مما يجعل تجددها الطبيعي عملية معقدة ودقيقة.

وتتم عملية الاستخراج كما ذكرنا من خلال عمل شقوق محدودة في لحاء الجذع أو الفروع الرئيسية. تفرز الشجرة مادة لزجة تتصلب بمرور الوقت وتتجمع فيما بعد. ومع زيادة عدد التشققات وتكرار العملية في نفس الموسم، يزداد الإنتاج على المدى القصير، مما يرهق الشجرة ويضعف قدرتها على التعافي والإنتاج.

وتشير الدراسات الميدانية في إثيوبيا والصومال إلى أن العديد من غابات أشجار البخور تتكون بشكل رئيسي من الأشجار القديمة، في حين تبدو الأشجار الصغيرة نادرة أو شبه غائبة، مما يعني أن الجيل القادم من الغابات ليس مضمونا. وتصنف الآن بعض الأنواع على أنها مهددة بالانقراض على القوائم الدولية، مع تحذيرات من ارتفاع مخاطر الانقراض إذا لم يتم تغيير أساليب الإدارة والحصاد.

العوامل التي تدفع البخور نحو الندرة

ولا تقتصر صورة تراجع أشجار البخور على عامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من الضغوط المتزامنة. أول هذه الضغوط هو الاستنزاف المفرط للإنتاج، حيث يتعامل بعض جامعي البخور مع الشجرة كمصدر دخل عاجل يجب الضغط عليه إلى أقصى حد، وبالتالي تضاعف عدد القطع ومواسم الحصاد، تحت وطأة الفقر وارتفاع الطلب في الأسواق العالمية.

ومن ناحية أخرى، يؤثر الرعي الجائر بشكل مباشر على فرص تجديد الغابات. وتتغذى الحيوانات التي تعتمد على الرعي، وخاصة الماعز والإبل، على شتلات الأشجار الصغيرة التي بالكاد بدأت في النمو، وبالتالي تفقد الغابة قدرتها على تعويض الأشجار الكبيرة التي تفقدها. إضافة إلى ذلك، تشهد مناطق انتشار البخور تحولاً سريعاً للأراضي نحو الزراعة والعمران والرعي المكثف، إضافة إلى الحرائق وقطع بعض الأشجار لاستخدامها كوقود أو حطب.

وتغير المناخ يجعل المشهد أكثر تعقيدا. ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وحالات الجفاف المتكررة، وعدم انتظام هطول الأمطار، كلها عوامل تضغط على الأشجار المنتجة للبخور، والتي تعيش بالفعل في حدود قدرتها على التحمل. وفي هذه الظروف، يصبح كل جرح إضافي وكل حصاد مكثف خطوة أخرى نحو إضعاف الغابات المتبقية.

فهل سينقرض البخور؟

ولا تزال هناك مناطق زراعية تظهر فيها أشجار البخور درجة ما من المرونة، خاصة في بعض المواقع المحمية في سلطنة عمان والقرن الأفريقي تحديدا في أرض الصومال، حيث تحاول السلطات المحلية أو المجتمعات المحلية تنظيم الحصاد. ولهذا السبب يصعب الحديث عن الانقراض الكامل في المستقبل القريب. إلا أن التوقعات العلمية تميل إلى التحذير من انخفاض كبير في عدد الأشجار إذا ظل الإنتاج دون تغيير.

وتشير النماذج التي أعدها الباحثون بناء على رصد نمو الأشجار ومعدلات الموت، إلى أن بعض الغابات قد تفقد أكثر من نصف أشجارها في العقود المقبلة، وقد تصل الخسارة إلى مستويات أعلى بكثير في السيناريوهات المتشائمة. وهذا لا يعني أن شجرة البخور ستختفي تماما، لكنه يعني أن الكميات المتاحة تجاريا ونوعية الراتينج نفسه قد تنخفض بشكل حاد، وينعكس ذلك على الأسعار وعلى المجتمعات التي تعتمد عليه كمصدر رئيسي للدخل.

الطريق إلى البقاء والمحاصيل المستدامة والتجارة الأكثر عدالة

السيناريو المتشائم ليس حتميا. وبدأت بالفعل العديد من المبادرات المحلية والعالمية العمل على تطوير أساليب حصاد أكثر توازناً، تعتمد على تقليل عدد الشقوق في الشجرة، وتحديد مواسم محددة للتقطيع، ومنح الأشجار فترات راحة تستعيد خلالها قدرتها على النمو. وفي بعض المناطق، بدأت البرامج التجريبية في تحديد حصص الحصاد السنوية لكل مجموعة من الأشجار، وربط ذلك بالمراقبة العلمية لصحتها وتجددها.

ومن ناحية أخرى، تسعى المشاريع إلى دمج المجتمعات المحلية التي تكسب عيشها من إنتاج البخور في إدارة الموارد التشاركية، بحيث يحصل جامعو البخور على أسعار أفضل مقابل التزامهم بمعايير الاستدامة، بدلا من تحمل تكلفة خفض الإنتاج وحدهم. كما تعمل المنظمات غير الحكومية والشركات المتخصصة على تطوير سلاسل توريد شفافة تسمح بتتبع البخور من الشجرة إلى المستهلك، مما يفتح الطريق أمام أنظمة شبيهة بالتجارة العادلة في هذا القطاع.

في النهاية، قضية البخور ليست مجرد قصة مادة عطرية مهددة بالشح، بل هي مرآة لأسلوب حياتنا. ما يحدث في غابات البخور اليوم هو نداء هادئ ترفعه الأشجار، لتذكرنا بأن عطر البخور الذي يصعد إلى السماء يبدأ من الجذور على الأرض التي تحتاج إلى رعاية. لتبقى هذه الرائحة الطيبة التي رافقت صلاة الناس ويظل عطر البخور يهمس في نفوسنا المزيد من السلام.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#العالم #يواجه #نقصا #غريبا. #ماذا #يحدث #للبخور #صوت #لبنان #صوت #لبنان

العالم يواجه نقصاً غريباً.. ماذا يحدث للبخور؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – العالم يواجه نقصاً غريباً.. ماذا يحدث للبخور؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.