.

اراء و اقلام الدستور – عندما يُقرأ الدم طائفياً.. عن حمص وأزمة هويتها

سامر الشخشير23 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – عندما يُقرأ الدم طائفياً.. عن حمص وأزمة هويتها


دستور نيوز

أحمد عسيلي

انشغل السوريون، خلال الأسبوع الماضي، بجريمة وقعت في مدينة حمص، حيث قُتل الشاب خضر كراكيت مع خطيبته ندى السالم، وكلاهما من الطائفة العلوية، برصاص مجهولين يستقلون دراجة نارية، في حادثة أحدثت صدمة واسعة في الشارع المحلي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. وسرعان ما أعادت الجريمة إلى الواجهة أسئلة العدالة والأمن، والعلاقة بين مكونات المدينة، ودور الطائفة العلوية في نسيجها الاجتماعي، خاصة أن هذا النوع من القتل أصبح يكثر في الآونة الأخيرة، بحسب بعض الناشطين في المدينة، وأن حمص تعيش حالة من الارتباك في العلاقات بين مكونات المدينة منذ سنوات طويلة.

لفهم هذا الارتباك لا بد من العودة إلى تعقيد العلاقة بين المكونين السني والعلوي في حمص. هذه العلاقة لم تكن مستقرة منذ سنوات طويلة، بل شهدت شداً وجذباً متراكماً، ومرت بحلقات دامية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية، خاصة بعد انطلاق الثورة السورية، ومجزرة الساعة (جرح لم يلتئم بعد) إلى حادثة تحطيم المحلات التجارية في شارع الحضارة. ومع الوقت، تحول التوتر إلى تمزق شبه واقعي. على أرض الواقع، وخاصة بعد عام 2012، بدأ عيش المدينة ليس كهوية موحدة، بل كمساحة تتعايش فيها مجموعتان تخشى كل منهما الأخرى. بمعنى آخر، تم تدمير حمص كمدينة وهوية منذ سنوات.

في علم النفس الاجتماعي، عندما لا يتم علاج الصدمة، فإنها لا تبقى في الماضي، بل تتحول إلى عدسة دائمة للتفسير. ويصبح الجرح هو المنشور الذي يُقرأ من خلاله كل حدث جديد. وبالتالي لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: لماذا حدث ذلك؟ ماذا يعني بالنسبة لنا؟ وفي مجتمع يعاني من الرضا النفسي الطائفي، يصبح من المرجح قراءة أي عنف على أنه طائفي، حتى قبل أن تتضح وقائعه، والذي قد يكون طائفياً أو لا يكون.

ولا تقتصر هذه الآلية على سوريا، فكل مجتمع له صدمته النفسية، أي نقطة الألم التي من خلالها يعيد تفسير الحقائق. في مصر مثلا، يبرز السؤال الطبقي باعتباره الجرح الأكثر حساسية، فتضخمت حادثة عامل النظافة وصحن «الكشري» منذ سنوات، لأنها لامست شعورا عميقا بالإهانة الطبقية. ولم يكن الحدث في حد ذاته استثنائيا، لكن الجرح كان حاضرا وتم استدعاؤه على الفور. في فرنسا، غالبًا ما يُقرأ الحدث من خلال سؤال الهوية. والانتماء: فرنسي أصلي أم متجنس؟ أبيض أم أسود؟ مسلم أم غير مسلم؟ العدسة مختلفة، ولكن الآلية هي نفسها.

وفي الحالة السورية، فإن المسألة الطائفية هي الأكثر احتمالاً للاستدعاء لأسباب تاريخية وسياسية معروفة، تراكمت خلال نصف قرن من الحكم الأمني ​​الذي ارتبط في المخيلة الجماعية بصورة طائفية محددة، ثم تعمقت خلال سنوات الثورة، ومع كل حادثة جديدة يعود هذا الجرح ليعيد تنظيم الفهم ويقدم تفسيراً جاهزاً. ومن هنا تأتي جاذبية عبارة «قتلوه لأنه علوي». فهو يلخص الخوف ويعطي للقلق معنى واضحا، حتى لو أغلق الباب أمام احتمالات أخرى.

ولا يتوقف هذا التأثير النفسي عند طريقة الاستقبال فقط. وعندما تتكرر الشكوك حول العدالة وسرعة المحاسبة وحيادية القانون، فإن الأمر يتجاوز الجريمة إلى صورة الدولة نفسها. ووفقاً لمنطق الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، فإن الدولة الحديثة تقوم على تفويض الأفراد لها بسلطة احتكار العنف مقابل الطمأنينة. إنه «اللوياثان»، مستعيراً وصف هذا الحيوان الأسطوري المذكور في العهد القديم، للتعبير مجازياً عن هذا الكيان الذي يحتكر العنف. في التحليل النفسي، يمكن فهم الدولة كما يسميها لاكان. “Nom du Père”، أي “اسم الأب”، يمنح القانون شرعيته ويضع حداً للفوضى.

وإذا بدا هذا «الأب» ظالماً أو غير قادر على توفير الحماية المتساوية، فإن وظيفته الرمزية تتآكل، وحينها لم يعد الناس مواطنين ضمن إطار شامل، بل مجموعات تبحث عن الحماية الذاتية. وبعد أن يفقد الأب وظيفته، تتفكك الرابطة الأسرية، وهنا يكمن الخطر: ليس في الجريمة نفسها، بل في اهتزاز الثقة في السلطة التي يفترض أنها فوق الانقسام.

لقد تم تقويض فكرة الدولة في سوريا منذ سنوات طويلة على يد الأسد الأب، عندما تم التعامل مع المواطنين على أساس هويتهم وليس على أساس جنسيتهم. ومع تراكم ذلك، انهارت الهوية الموحدة وتفتت المجتمع. اليوم، في لحظة ما بعد الانهيار، يدرك الكثيرون حجم العبء الملقى على عاتق السلطة الجديدة لإعادة بناء الهوية السورية من جديد. إلا أن هذا المسار لا يتحقق من خلال الاحتفالات والمهرجانات المتكررة التي أصبحت لا تعد ولا تحصى، أو بلغة الإنجازات السريعة تلك المليارات التي لا نراها إلا في وسائل الإعلام. ويتحقق ذلك بالعمل الجاد على إعادة الثقة وإرساء المساواة الفعلية أمام القانون.

الخطوة الأولى في إعادة بناء الدولة ليست خطاباً سياسياً، بل عدالة واضحة ومتوازنة، تعيد ترسيخ «الطاغوت» ضامناً للجميع، وتحيي «اسم الأب» كرمز موحد وليس كطرف في الانقسام. وبدون ذلك سيبقى الجرح حاضرا، وستبقى كل جريمة شرارة تشعل الخوف من جديد، ولن تستعيد المدينة هويتها، ولا الدولة معناها.

#عندما #يقرأ #الدم #طائفيا. #عن #حمص #وأزمة #هويتها

عندما يُقرأ الدم طائفياً.. عن حمص وأزمة هويتها

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – عندما يُقرأ الدم طائفياً.. عن حمص وأزمة هويتها

المصدر : www.enabbaladi.net

.