.

عالم الأسرة – يتحدثون عن الأسواق والسحور واللمة.. عائدون: رمضان في دمشق يُعاش ولا يوصف

اخبار الأسره22 فبراير 2026
عالم الأسرة – يتحدثون عن الأسواق والسحور واللمة.. عائدون: رمضان في دمشق يُعاش ولا يوصف


دستور نيوز

عنب بلدي – أمير حقوق

مع بداية شهر رمضان، لا تتغير معالم العاصمة السورية دمشق فحسب، بل تتغير وتيرتها أيضا، إذ يهدأ الضجيج قبل غروب الشمس، وتتسارع الخطى في الأسواق، وفي المساء ترتفع أصوات التراويح من مآذن الجامع الأموي، في مشهد اعتاد أهل دمشق وصفه بـ “الشهر الذي تستعيد فيه المدينة روحها”.

في أزقة أحيائها القديمة، حيث تتكئ الحجارة على ذاكرة البيوت القديمة، تمتلئ واجهات المحلات التجارية وأكشاك الطرقات بمختلف أنواع التمر وأكياس «المروك» و«النعيم»، وتوضع أطباق الحلويات بجانب أباريق «العرقسوس» و«التمر الهندي».

تمتزج رائحة المشروبات الرمضانية مع قهوة السحور، فيما تتشابك أصوات الباعة المتجولين مع الأوشحة الصادرة من المساجد، لتخلق صورة رمضانية نابضة بالحياة، يقول أهل دمشق إنها تجربة «تعيشها ولا توصف».

لكن القصة هذا العام لا تقتصر على الطقوس نفسها، بل تمتد إلى الذين غربتهم سنوات طويلة، عائدين بحنينهم إلى تفاصيل صغيرة فاتتهم خارج سوريا.

الفطور… مائدة تتسع للجميع

تتغير معالم المدينة بشكل كبير مع اقتراب غروب الشمس. يهدأ الضجيج تدريجياً، وتتسارع وتيرة الاستعداد في المنازل، وكأن دمشق كلها تحبس أنفاسها في انتظار لحظة واحدة. دقائق معدودة تفصل بين الحركة المحمومة والصمت التام، بين صخب السوق وسكون المائدة، خاصة تلك التي تجتمع فيها العائلة بأبنائها المغتربين.

بالنسبة للعائدين، لا تختصر لحظة الإفطار بالإفطار فحسب، بل تتحول إلى طقوس جماعية تعيد ربط ما انقطع، وتعطي المدينة وأهلها معنى المشاركة التي افتقدوها طويلا.

رنا زهير (34 عاماً)، عادت هذا العام من ألمانيا بعد سبع سنوات من المنفى. وقالت لعنب بلدي، “كنت أفتقد لحظة الأذان في دمشق، ففي المنفى كنا نفطر على عجل، كل من في بيته يسمع الأذان من هاتفه الخلوي، لكن هنا حتى صوت الأذان له طعم مختلف، ونغمات أفراد العائلة التي تطالب بسكوت الحاضرين لسماع الأذان، تشعرك أن المدينة كلها تجلس على طاولة واحدة”.

وتضيف أن أكثر ما تفتقده هو “سقبة الجيران”، وهي العادة الدمشقية التي تعبر عن التضامن الاجتماعي المتجدد، حيث تتبادل العائلات أطباق الطعام قبل الإفطار.

قالت رنا: “في أول يوم من رمضان، طرق جارنا الباب ومعه طبق شيخ محشي، وحينها شعرت وكأنني عدت حقًا”.

في المنفى، كنا نفطر على عجل، كل من في بيته يسمع الأذان من هاتفه المحمول، لكن هنا، حتى صوت الأذان له نكهة مختلفة.

رنا زهير

سوريا تعود من ألمانيا

وحالة مشابهة يرويها طارق المعراني (41 عاماً) الذي أمضى أكثر من عشر سنوات في السويد قبل أن يعود هذا العام ليقضي شهر رمضان مع عائلته في دمشق.

ويقول طارق إن أكثر ما أرهقه في الخارج هو «الإفطار الصامت». “هناك، ينتهي يوم العمل وأعود إلى شقتي الصغيرة. أقوم بإعداد الطعام السريع وأفطر أمام شاشة التلفزيون. لا توجد مدافع، ولا أصوات أطفال في الحي، ولا طرق مفاجئ على الباب. ولكن هنا، عندما أسمع الأذان وأرى عائلتي مجتمعة حول الطاولة، أشعر وكأنني أستعيد جزءاً من نفسي”.

التراويح…وقت روحاني في قلب المدينة

وبعد الإفطار، يتوجه الناس إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تصطف الصفوف تحت القباب المضيئة، بينما يضحك الأطفال في ساحات المساجد.

ويقول أحمد المنجد (42 عاما)، الذي أمضى عقدا من الزمن في لبنان قبل أن يعود ليستقر في دمشق، إن صلاة التراويح هنا هي “تجربة روحية واجتماعية في الوقت نفسه”.

وأضاف: «من الخارج كانت المساجد جميلة، لكن لم يكن هناك دفء بداخلها، وهذا ما أفقده كثيرًا في كل رمضان، خاصة أنني بعد الصلاة كنت أمشي في سوق الحميدية، وأشتري الآيس كريم، وأقابل أصدقاء لم أرهم منذ سنوات».

وفي باحات المساجد يعيش كبار السن والصغار بجانب بعضهم البعض، وتتحول الصلاة إلى لقاء اجتماعي يومي. وبعد صلاة التراويح تمتد السهرات في المقاهي، ويخرج البعض للتنزه في شوارع دمشق، فيظلون مستيقظين حتى السحور.

السحور… المدينة التي لا تنام

ومع اقتراب الفجر، تستيقظ أحياء دمشق على صوت “المسحراتي” وهو يتجول بطبلته، مرددا الأغاني التراثية. ورغم اختفاء هذه الطقوس الرمضانية، إلا أن شوارع دمشق لا تزال تنبض بأجواء السحور، كمدينة لا تنام شوارعها.

وتقول ليلى حيان (29 عاماً)، التي عادت من ألمانيا لتقضي شهر رمضان مع عائلتها، إن وجبة السحور كانت أكثر ما أيقظ شوقها. “في أوروبا، كان كل شيء صامتاً. هنا، حتى الليل فيه حياة. نجتمع حول طاولة السحور المليئة بالحاضرين الموجودين في كل بيت سوري، وننتظر صوت الأكل، وكأنه إعلان رسمي بأننا معاً”.

كان السحور هو أكثر ما أيقظ حنيني في أوروبا. كان كل شيء صامتا. هنا، حتى الليل له حياة. نجتمع حول مائدة السحور المليئة بالحاضرين.

ليلى حيان

سوريا تعود من ألمانيا إلى دمشق لقضاء شهر رمضان

ويتفق معها طارق المعراني في رأيها، ويوضح أنه في منفاه لم يجرب أجواء السحور، بل اقتصر على منبه هاتفه. كان يستيقظ وحيداً، يتناول وجبة السحور، ويعود للنوم، دون أي طقوس أو أجواء ترافقه أو حتى تجمع المغتربين العرب، وهذا ما زاد رغبته في زيارة سوريا في فترة رمضان.

أجواء الشعائر الرمضانية في مدينة دمشق- 20 شباط 2026 (عنب بلدي/أمير حقوق)

أجواء الشوارع.. بين الديكور والحنين

وبمجرد غروب الهلال، تغيرت ملامح الشوارع، حيث علقت الفوانيس في الشرفات، وتتدفق خيوط الأضواء بين المباني وكأنها جسور صغيرة من الضوء، تربط منزلاً بآخر وحياً بآخر.

تكتسب الأزقة وهجًا خاصًا. يركض الأطفال تحت الزينة، وتختلط أصوات الباعة بضحكات المارة. ورغم الضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهل العديد من العائلات، يحرص الأهالي على إبقاء شعلة الفرح مشتعلة، حتى لو بزينة بسيطة أو طبق متواضع من الحلويات ليتقاسمها الجميع.

“أبو طارق”، صاحب محل عصير في المنطقة الصناعية بدمشق، يقف خلف ثلاجته المليئة بـ”التمر الهندي” و”الجلاب”، ويقول لعنب بلدي إن رمضان “يعيد الروح إلى السوق”.

وأضاف مبتسماً: «الحركة مختلفة تماماً، الناس يخرجون في المساء ويتبادلون التهاني ويشعرون أن السوق أصبح مكاناً للاجتماع وليس البيع والشراء فقط».

ويشير إلى أن عودة المغتربين تضيف طاقة مضاعفة للمكان. «حتى أولئك الذين عاشوا خارج البلاد منذ سنوات جاءوا هذا العام بحماس واضح، يريدون أن يعيشوا كل التفاصيل، من تناول أول تمرة في سحور أول يوم إلى آخر ركعة من صلاة التراويح»، بحسب «أبو طارق».

في شوارع دمشق، لا تعد زينة رمضان مجرد أضواء معلقة، بل هي إشارات صغيرة لذاكرة جماعية تصر على البقاء، بحسب ما تعتقد رنا زهير العائدة من ألمانيا.

وتضيف أنه بين الحنين إلى ما كان، والإصرار على مواصلة الشعائر رغم كل شيء، يحتفظ رمضان بمكانته باعتباره الشهر الأكثر قدرة على إعادة الحياة إلى المدينة، وإلى قلوب أهلها، سواء المقيمين أو العائدين من دروب الغربة.

في شوارع دمشق، ليست زينة رمضان مجرد أضواء معلقة، بل هي إشارات صغيرة لذاكرة جماعية تصر على البقاء.

رنا زهير

سوريا تعود إلى دمشق

عكس الغربة.. طقوس الانتماء

بالنسبة للعديد من العائدين، لا تقتصر طقوس رمضان على العبادة فحسب، بل تمثل إعادة ربط ما انقطع.

المنفى، كما يقول العائدون من المنفى خلال حديثهم، “يعلمك قيمة التفاصيل الصغيرة”، أما في دمشق، فتتحول تلك التفاصيل إلى طقوس يومية، “وجبة الجيران”، والمشي بعد صلاة التراويح، والسحور العائلي الطويل، ودفء تجمعات المصلين خلال صلاة التراويح والسحور، والإقبال على شراء المواد الغذائية المتعلقة بشهر رمضان.

ويستنتجون أن رمضان هنا ليس مجرد شهر، بل هو حالة. وكانوا في المنفى يحسبون الأيام حتى ينتهي، أما في دمشق فيلجأون إلى ذلك خوفاً من أن ينتهي سريعاً.

وهكذا، بين طقوس وعبادات شهر رمضان، وبين حرارة الأجواء والحنين إليه، تعود دمشق اليوم، لتؤكد أن رمضان ليس مجرد مناسبة دينية، بل ذاكرة جماعية متجددة، ودفء اجتماعي يلخص معنى العودة عند السوريين، ماحياً قسوة طقوسها في بلد غربتهم الذي عاشوا فيه منذ سنوات.

#يتحدثون #عن #الأسواق #والسحور #واللمة. #عائدون #رمضان #في #دمشق #يعاش #ولا #يوصف

يتحدثون عن الأسواق والسحور واللمة.. عائدون: رمضان في دمشق يُعاش ولا يوصف

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – يتحدثون عن الأسواق والسحور واللمة.. عائدون: رمضان في دمشق يُعاش ولا يوصف

المصدر : www.enabbaladi.net

.