.

اراء و اقلام الدستور – “الأرض المباركة”.. قراءة نفسية أخلاقية

سامر الشخشير8 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – “الأرض المباركة”.. قراءة نفسية أخلاقية


دستور نيوز

أحمد عسيلي

والأسبوع الماضي، أجرى رئيس النظام السوري في الفترة الانتقالية أحمد الشرع زيارة رسمية إلى موسكو، هي الثانية له منذ توليه السلطة في دمشق. وعكست الزيارة، كما يبدو من نتائجها العلنية، مستوى من التقارب السياسي مع الدولة الروسية، التي كانت حتى وقت قريب تصنف في وعي شريحة واسعة من السوريين كعدو مباشر، بحكم دورها العسكري في قصف المدن السورية ودعمها للنظام السابق. لكن ما أثار الجدل الأكبر لم تكن الزيارة بحد ذاتها، بل كلمة للرئيس السوري تحدث فيها عن صعوبة احتلال موسكو عبر… التاريخ وبردها القاسي وتراجع جيوش الغازي عنها واصفا إياها بـ”الأرض المباركة”. وأثارت كلمات كهذه موجة واسعة من السخط، تنوعت ردود فعل السوريين عليها بين السخرية والاتهام، أو بين التبرير والخيانة، خاصة أن الدولة التي قيلت فيها هذه العبارات تقصف الشمال السوري منذ نحو عام فقط.

لا يمكن اختزال هذا الجدل في سوء اختيار الكلمات أو رد الفعل العاطفي. بل يطرح سؤالاً نفسياً وفلسفياً أعمق: كيف نحكم على خطاب السلطة؟ هل يمكن تقييم سلوك المسؤول بنفس المعايير التي نستخدمها كمواطنين؟ للإجابة على هذا السؤال قد يكون من المفيد مقاربته من زاويتين تحليليتين مختلفتين: الأولى نفسية، من خلال استعارة فرويدية، والثانية اجتماعية، من خلال تمييز ماكس فيبر بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية.

من وجهة نظر القراءة الفرويدية، ليس كتطبيق حرفي صارم، بل كتشبيه مجازي، يمكن النظر إلى الدولة كأداة نفسية. وفي هذا الجهاز، يظهر الـ”هو” على شكل ميول غريزية جماعية تؤثر عادة على عامة الناس، وتتجلى في دعوات العنف والحلول العسكرية والقتل، وأحيانا في الشوق إلى الدكتاتورية طريقا سريعا للحل، وهذا ما نشهده بكثرة هذه الأيام. ومن ناحية أخرى، فإن المثقف والناشط والصحفي والمواطن العادي لديهم وظيفة قريبة من “الأنا العليا”، أي الصوت الأخلاقي الذي يحتج، ويرفض النسيان، ويسخر، ويضع معايير القيم باستمرار. وبين هذين القطبين تقف الدولة في موقع «الأنا»، لا كضمير أخلاقي، ولا كتعبير عن الغرائز، بل كجهاز تنظيم وإدارة. فالدولة بهذا المعنى لا تستطيع الإصغاء الكامل إلى «الهو»، لأن عواقبه ستكون مدمرة لها، ولا يمكنها أن تلعب دور «الأنا الأعلى»، لأنه يضخم هذا الدور ويؤدي، كما في التحليل النفسي، إلى الشلل أو العنف باسم الأخلاق، إذ إن وظيفة الدولة الأساسية هي احتواء التناقض، وليس حله أخلاقيا.

ويجد هذا الإطار النفسي نظيرا واضحا في فكر ماكس فيبر، الذي ميز بين نوعين من الأخلاق في العمل السياسي: “أخلاق القناعة”، و”أخلاق المسؤولية”. الأول يحكم مواقف المتمسكين بالمبدأ بغض النظر عن النتائج، وهي أخلاق المثقف والناشط والمعارض، الذين يقولون: هذا خطأ، حتى لو لم يكن من الممكن تغييره. أما أخلاقيات المسؤولية، فهي التي تلزم متخذ القرار بالنظر في عواقب أفعاله، ومحاسبته على عواقبها، حتى لو اضطر إلى اتخاذ قرارات لا تتفق مع قناعاته الأخلاقية. وللتوضيح، فإن فيبر لا يدين أياً من الموقفين، لكنه يحذر من الخلط بينهما أو مطالبة أحد الطرفين بالتصرف وفق منطق الطرف الآخر.

وفي الحالة السورية، يبدو الجدل الدائر حول الزيارة إلى موسكو مثالاً حياً على هذا الغموض. من حق المواطن السوري العادي أن يرفض ويسخر ويتمسك بسردية أخلاقية واضحة تجاه الدولة التي شاركت في قتله أو تهجيره. وهذا الحق لا ينبع من التفوق الأخلاقي، بل من موقعه كغير مسؤول عن إدارة الدولة، التي هي جزء أساسي من وظيفة المجتمع في الحفاظ على الذاكرة ومنع تبييض الماضي. في المقابل، يقف المسؤول في موقف مختلف تماماً، وهو موقف لا يتيح له ترف الرفض المطلق، ولا يسمح له بإنكار حقيقة القواعد العسكرية أو تشابك الماضي. المصالح الدولية.

والمشكلة لا تكمن في هذا التناقض بحد ذاته، بل في سوء فهمه. فعندما تطالب السلطة المجتمع بالسكوت أو التماهى معها أخلاقيا، فإنها تتجاوز دورها، وعندما يطالب المجتمع المسؤول بالتصرف كضمير أخلاقي محض، فإنه يتجاهل طبيعة المنصب الذي يشغله. والصدام هنا ليس بين الوطنية والخيانة، بل بين الوظائف المختلفة داخل الكيان نفسه.

سورية اليوم مقبلة على مرحلة سياسية جديدة، مرحلة تتطلب قدراً من النضج في فهم الأدوار، وليس في توحيد الأصوات. ومن حق المثقف والناشط والمعارض أن ينتقد ويسخر ويذكر السلبيات والإيجابيات بحرية كاملة، لأن هذه وظيفته داخل المجتمع. ومن ناحية أخرى، على المسؤول أن يدرك أن منصبه يفرض عليه أخلاقاً مختلفة، وأنه لا يمثل الضمير الجماعي بقدر ما يمثل إدارة الممكن. وهذا الفهم المتبادل لا يلغي التناقض، لكنه يمنعه من التحول إلى صراع عقيم. وحتى المعارض والساخر جزء من الدولة وليس من الدولة. منصب السلطة، بل من موقعه كحامل للذاكرة والضمير، وظيفة لا تقل أهمية عن إدارة السياسة نفسها.

#الأرض #المباركة. #قراءة #نفسية #أخلاقية

“الأرض المباركة”.. قراءة نفسية أخلاقية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – “الأرض المباركة”.. قراءة نفسية أخلاقية

المصدر : www.enabbaladi.net

.