دستور نيوز
في 7 فبراير 2026
المحامي أسامة العرب
في 6 شباط 1919، شكّل صدور القرار رقم 192 عن الحاكم العام الإداري لحظة تأسيسية مفصلية في تاريخ مهنة المحاماة اللبنانية، حيث أخضع مهنة المحاماة لنظام قانوني محدد لأول مرة، وألزم المحامين الممارسين بالحصول على ترخيص رسمي لمزاولة مهنتهم. ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري، بل إعلان عن ولادة مؤسسة حقوقية ستصبح، على مدى 107 سنوات، الحصن المنيع للدفاع عن الحريات العامة وسيادة القانون في لبنان.
تعتبر نقابة المحامين في بيروت مثالاً استثنائياً للمؤسسات المهنية التي تجاوزت دورها النقابي الضيق لتصبح فاعلاً رئيسياً في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية. لقد تبوأت مكانة “أم النقابات العمالية”، ليس فقط بالاسم، بل بالممارسة الفعلية ودورها الرائد في الدفاع عن سيادة الدستور وسيادته، وفي الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان.
يكشف التحليل السوسيولوجي لتطور النقابة عن وجود علاقة جدلية بين مهنة المحاماة كمهنة حرة وبناء الدولة الحديثة. ولم يكن المحامون مجرد ممارسي القانون، بل كانوا صانعي القانون وحماته، وهو ما يظهر في المحامين العشرة الذين تولوا رئاسة الجمهورية، ومن بينهم الرؤساء إميل إده، بشارة الخوري، كميل شمعون، شارل حلو، الياس سركيس، ورؤساء من آل الجميل ورينيه معوض. كما تولى خمسة محامين رئاسة مجلس النواب، بينهم الرئيس الحالي نبيه بري الذي أدار المجلس بحكمة منذ عام 1992، إضافة إلى أحد عشر رئيساً للحكومة آخرهم الرئيس الحالي نواف سلام.
ويستحق القرار الأول للاتحاد في عهد النقيب ألبير كاشو عام 1919 وقفة تحليلية متعمقة، إذ تضمن ثلاثة مبادئ ثورية في سياق الانتداب الفرنسي: أولا، اعتماد اللغة العربية وحدها لغة رسمية للمحاكم، وهو موقف وطني مشرف يعكس الوعي بالهوية الثقافية. ثانياً، المساواة الكاملة في الحقوق بين المحامين، وخاصة حق التصويت والترشيح، مما يعكس التزاماً مبكراً بالديمقراطية الداخلية. ثالثا: انتخاب رئيس الاتحاد وليس تعيينه، وهو مبدأ ديمقراطي أساسي. والأهم من ذلك كله، صدور قرار «لا طائفية في الاتحاد»، ما جعله نموذجاً للتعايش والمواطنة الحقة.
وبعد سنوات من الحرب الأهلية العبثية، مثّل ميثاق الشرف الذي تم توقيعه في 17 كانون الأول (ديسمبر) 1991 بإشراف النقيب سمير أبي اللمع نقطة تحول في إعادة البناء الأخلاقي والمهني. ويعكس توقيع جميع الوزراء والمحامين الحاليين والسابقين في ذلك الوقت، إلى جانب أعضاء مجلس النقابة والنقباء السابقين، إجماعاً على ضرورة استعادة القيم المهنية والأخلاقية كأساس لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
كما يستذكر الاحتفال باليوبيل الماسي للاتحاد في عهد النقيب ميشيل خطار بكل تقدير، حيث تم توثيق 75 عاما من تاريخ الاتحاد في كتاب بعنوان “الماسة” تكريما للذكرى، وهو عمل أرشيفي وتوثيقي يحفظ الذاكرة المؤسسية.
وفي عهد الرئيس السابق النائب ملحم خلف، أطلق الاتحاد مبادرة إصلاحية طموحة تهدف إلى إنشاء مجلس شيوخ كمظلة للطوائف ومؤسسة تضمن الاهتمامات الوجودية والكيانية، على أن يشكل ذلك مدخلاً لإقرار قانون انتخابات وطنية غير طائفية. تعكس هذه المبادرة فهماً عميقاً للأزمة البنيوية في النظام السياسي اللبناني، وتقدم حلاً وسطاً بين الحفاظ على التنوع وبناء دولة المواطنة والمؤسسات.
وفي المرحلة الحالية تواصل نقابة المحامين في بيروت دورها كخط الدفاع الأول عن حقوق الوطن والمواطن. وتسليط الضوء على أهمية موقفها الثابت في الدفاع عن التدقيق المالي الشرعي والمحاسبة على المال العام، وتحذيرها من محاولات إفشال التحقيق وانعدام الشفافية. ويعكس هذا الموقف التزاما عميقا بمبادئ الحكم الرشيد ومكافحة الفساد، مما يجعل الاتحاد شريكا أساسيا في عملية الإصلاح الوطني.
وفي هذه الذكرى الـ 107، نتقدم بأسمى التهاني والتقدير لسعادة النقيب الأستاذ عماد مرتنوس، ولأعضاء مجلس النقابة الكرام، وللنقباء السابقين الذين وضعوا أسس هذا الصرح القانوني، ولجميع زميلاتنا وزميلاتنا المحاميات من كافة المناطق والطوائف.
تمثل نقابة المحامين في بيروت مثالا حيا لمؤسسة وطنية شاملة تحتضن جميع أعضائها دون تمييز وتحمي حقوقهم وحقوق الإنسان والوطن. وتواصل رحلتها كمنارة للعدالة والحرية، ومدرسة للديمقراطية والمواطنة الحقيقية.
وفي الختام، فإن مستحقات الاتحاد المقبلة، بما فيها دورة نوفمبر 2026، تمثل فرصة لتجديد الالتزام بالقيم التأسيسية للاتحاد، وتطوير أدائه بما يتماشى مع التحديات المعاصرة. إن المطلوب هو اتحاد رائد ومتقدم وحديث يحافظ على تراثه التاريخي ويتطلع إلى المستقبل بثقة.
كل عام واتحادنا العزيز بألف خير، والعطاء والتنمية والازدهار، والمستقبل الأفضل للجميع. وتبقى نقابة المحامين في بيروت منارة للحق والعدالة، وحصنا للحرية، ومدرسة للوطنية الحقة.
المحامي أسامة العرب
#نقابة #المحامين #في #بيروت #أكثر #من #قرن #من #الدفاع #عن #سيادة #القانون
نقابة المحامين في بيروت: أكثر من قرن من الدفاع عن سيادة القانون
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – نقابة المحامين في بيروت: أكثر من قرن من الدفاع عن سيادة القانون
المصدر : www.elsharkonline.com
