.

أخبار الفن – من علامة في السماء إلى طاعون على الأرض: التعددية والإرادة الحرة في عصر العقول المتصلة

تهاني احمد2 فبراير 2026
أخبار الفن – من علامة في السماء إلى طاعون على الأرض: التعددية والإرادة الحرة في عصر العقول المتصلة


دستور نيوز

يقدم مسلسل الخيال العلمي الجديد Pluribus رؤية درامية مكثفة لمستقبل يصبح فيه الإنسان أقرب إلى “العقل الواحد” منه إلى ملايين العقول المختلفة، ويطرح من خلال قصة شخصية تكره السعادة القسرية، أسئلة عميقة حول حرية الإرادة، وحدود الفرد أمام مجموعة متجانسة إلى حد الانحلال.

من “علم فراسة الجمجمة” إلى خرائط العقل الجماعي

في القرن التاسع عشر، حاول «علم فراسة الدماغ» قراءة شخصية الإنسان من شكل جمجمته، زاعمًا أن كل نتوء أو تجويف له معنى نفسي محدد، من الشجاعة إلى الفلسفة، في علم زائف قدم نفسه على أنه «علم العقل» عندما لم يكن سوى خيال متنكر في عباءة التجربة.

يتم استعادة هذه الخلفية بصرياً في الدقائق الأخيرة من الحلقة الثانية من Pluribus، حيث يظهر تمثال لرأس إنسان مقسم إلى مناطق، في لقطة تجمع بين الجمجمة القديمة وشاشة تلفزيون تنقل خطاب «العقل الجمعي»، وممرات معمارية تشبه تجاويف الدماغ، وكأن المسلسل يقول إن الحلم القديم بتقسيم العقل إلى مناطق مسيطر عليها لم يمت، بل عاد بشكل أخطر: عقل واحد يبتلع كل العقول.

إشارة من الفضاء: عندما يأتي «الفيروس» بتعليمات مكتوبة

تجري الأحداث في موقع حقيقي في نيو مكسيكو: مجموعة كبيرة جدًا من التلسكوبات الراديوية، المستخدمة بشكل متكرر في سينما الخيال العلمي. هناك، يلتقط العلماء إشارة غامضة، تتكرر كل بضع عشرات من الثواني، قادمة من كوكب حقيقي يدور حول نجم يشبه الشمس، يقع في المنطقة الصالحة للسكن حيث من المحتمل وجود الماء السائل، مما يجعله مرشحًا لاستضافة شكل من أشكال الحياة.

يقوم الباحثون بترجمة الإشارة إلى سلسلة من أربع “نغمات” والتي سرعان ما تصبح واضحة لتمثيل أربع قواعد نيوكليوتيدات. ويصبح من الواضح أن الرسالة ليست مخططًا آليًا ولا كودًا رياضيًا، بل هي تعليمات RNA البيولوجية التي يمكن حقنها في خلية حية، أي «فيروس» أو عامل جزيئي مصمم للتغيير من الداخل، وليس من الخارج.

العدوى التي تخلق “العقل الواحد”

وعندما يتم اختبار هذا التسلسل في المختبر، يحدث ما يشبه الحدث التأسيسي: تنتقل العدوى من فأر إلى عالم عبر لدغة، ثم تنتشر عبر اللعاب والهواء، قبل أن تصبح حملة محمولة جوا يتم إسقاطها على البشر من الطائرات. عملية النقل لها اسم مهم: ينضمبمعنى “الانضمام” أو “الانضمام”، وكأن العدوى ليست “مرضاً” بل دعوة إلى الاندماج.

يتضمن التحول نفسه لحظات قريبة من الموت السريري: بطء ضربات القلب، والارتعاش، وفقدان الوعي، ثم الاستيقاظ على حالة من الرضا التام. ومن يموت في هذه المرحلة لا يقتله العامل نفسه، بل تقتله الظروف المحيطة (سقوط، اصطدام)، مما يمنح «الفيروس» صفة تقنية دقيقة: فهو لا يدمر الجسم، بل يعيد برمجته؛ ومن ينجو يخرج من هذه العملية أكثر هدوءًا، وأكثر اطمئنانًا، وأكثر استعدادًا لتذويب حدوده في الآخرين.

عالم بلا جوع أو حرب…ولكن بلا “أنا”

في العالم الذي يصفه المسلسل، بعد انتشار العدوى، يختفي الجوع، وتتراجع أشكال العنصرية، وتتوقف الحروب، ويصبح تبادل الخبرات والمعرفة تلقائياً: يستطيع الإنسان العادي قيادة طائرة نقل عسكرية معقدة لأنه أصبح مرتبطاً بتجارب طيارين مخضرمين شاركوه نفس العقل.
لكن لهذه “البركة” وجه آخر: تمحى الحدود بين الذات والآخر، وتتبخر الخصوصية النفسية، وكل انفعال حاد من فرد واحد يمكن أن يهز البنية العاطفية للعقل الجمعي بأكمله، مما يكشف هشاشة “اليوتوبيا” التي بنيت على وحدة الوعي، وتحول السعادة الدائمة إلى حالة يمكن أن تنهار بخطأ واحد في مكان غير متوقع.

كارول: بطلة معادية في زمن السعادة المفروضة

في قلب هذا الهيكل تقف شخصية كارول ستوركاوهي كاتبة روايات مغامرات القراصنة ولا تحب كتبها ولا قراءها. إنها غارقة في السخرية والتشاؤم والعادات المدمرة، ويبدو أنها “أسوأ مرشحة” لدور البطلة الكلاسيكية. لكنها واحدة من القلائل النادرين – نحو عشرة أشخاص – الذين لم يتأثروا بالعدوى، ومقاومتها الطبيعية لعملية “الانضمام” تجعلها محور الصراع: إنقاذ العالم من ماذا بالضبط؟ من الحروب والفقر.. أم من فقدان حرية الاختلاف؟

يشير اختيار اسمها واسم عائلتها إلى طبقات من الاستعارة: إشارة إلى فنانة كوميدية تلفزيونية مخضرمة، وإلى شخصية قديمة في الخيال العلمي تهرب من كارثة نووية لتجد نفسها في عالم يذكرها بكوكبها الأم، وكأن المسلسل يلمح إلى أن ما يبدو أنه “بقاء” قد لا يكون إلا عودة إلى دائرة أوسع من التهديد.

مقاومون بلا ثورة: الأقلية الراضية في العالم الجديد

عندما تلتقي كارول بمجموعة من الأشخاص الذين يشتركون معها في سمتها “المحصنة”، تظهر مفارقة قاسية: كثيرون منهم يستمتعون بالعالم الجديد، ومنهم من يعيش في ترف صريح، محاطين بكل ما يمكن أن توفره الثروة اللامحدودة، ويعتمدون على قدرات العقل الجمعي في كل تفاصيل حياتهم.
ويثير هذا المشهد سؤالاً أخلاقياً حاداً: ما الذي يمنح الأقلية المحمية الحق في السعي إلى “تحرير” أغلبية راضية؟ وهل الانسجام العام، حتى لو فرضته بنية فوق فردية، أقل قيمة من فوضى الحرية بألمها ووحدتها وصراعها؟ ويضع المسلسل مشاهديه أمام هذا التناقض دون وعظ مباشر، مكتفياً بتقديم الإغراءات والمخاطر جنباً إلى جنب.

العقل الجمعي كناية: بين شبكات الاتصال والذكاء الاصطناعي

ويمكن قراءة الهيكل نفسه باعتباره استعارة مزدوجة لعالم اليوم. فمن ناحية، تذكرنا صورة العقل الواحد المتصل بوعود وسائل التواصل الاجتماعي: التواصل المستمر، والمشاركة الفورية لكل حدث، وهالة من السعادة تظهر في الصور والتعليقات المتواصلة. الجميع يعرف كل شيء عن الجميع، ولكن الثمن هو تآكل الحياة الداخلية الخاصة لصالح “الواجهة” الجماعية.

في المقابل، يتشابه سلوك «الأشخاص السعداء» في المسلسل مع أسلوب المساعدين الرقميين والبرامج الحوارية الذكية: ردود مهذبة دائماً، ونبرة متفائلة لا تغضب، وقدرة عالية على امتصاص الانفعال من الطرف الآخر دون أن ترتجف لغتهم. وبهذا المعنى يبدو العمل بمثابة إنذار لعالم تتم فيه تصفية المشاعر حتى تصبح الحوارات سلسة تماما، ولكن دون خشونة إنسانية أو زوايا حادة، ليفقد الإنسان أحد أهم أسلحته: القدرة على الرفض الغاضب والمواجهة المثمرة.

“هذا العرض صنعه بشر”: دفاع عن شرارة الإبداع

إن تأكيد صانعي المسلسل في الاعتماد الختامي على أن العمل “من صنع البشر” ليس تفصيلاً زخرفيًا، بل هو موقف مبدئي بشأن مسألة الإبداع في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي. فإذا كان من الممكن -كما يقول الحوار النقدي المعاصر- تخصيص خوارزمية لكتابة الواجبات المدرسية، وتأليف اللوحات، وتأليف القصص، فماذا بقي للإنسان ككائن يخلق ولا يستهلك فحسب؟
من هذه الزاوية، يمكن قراءة بلوريبوس باعتباره دفاعًا عن «الشرارة الإبداعية» التي لا يمكن اختزالها في المعادلات، وعن الفوضى العاطفية التي تجعل كل رأس عالمًا مستقلاً، حتى عندما يخطئ، ويتناقض، ويسيء الفهم. فالتجانس هنا ليس فضيلة، بل هو تهديد وجودي: فعندما يصبح كل شيء قابلاً للقياس والتوفيق، تُمحى الاختلافات التي تعطي للحياة معناها.

بين خرائط الجمجمة وشاشة الكلام الموحدة

إن عودة الصورة الفرينولوجية في إطار واحد مع شاشة التلفزيون وخطاب السلطة تعيد بناء الأسطورة القديمة: لقد وعد علم الفراسة بقراءة العقل والتحكم فيه من الخارج؛ في عالم المسلسل، يتسلل العقل الجمعي أولاً ومن ثم يتحدث نيابة عن الجميع.

في اللقطة التي تخاطب فيها “القوة الجماعية” كارول، لم يكن البث هذه المرة من واحد إلى كثيرين، بل من كثيرين إلى واحد. ويشير الشعار المصاحب -“كلنا كلنا”- إلى أن التنوع قد ذاب في الضمير الواحد، وأن كل خروج عن السرب ليس انحرافا فحسب، بل هو عيب يجب إعادته بلطف إلى القالب، أو عزله كاستثناء غير مرغوب فيه.

ملخص

يعرض مسلسل “بلوريبوس” عالماً تعيش فيه الإنسانية بسلام وسعادة تحت سقف الوعي الجماعي الواحد، لكنه يتساءل بحزم: هل تستحق هذه الطمأنينة ثمن فقدان الفرد حقه في الاختلاف والغضب وارتكاب الأخطاء وحده؟ ومن خلال شخصية كارول التي تقاوم التكامل، يعود العمل إلى سؤال قديم في شكل جديد: ماذا يبقى من الإنسان إذا تحول إلى وحدة في عقل شامل، وتدار عواطفه ومعارفه كبيانات يمكن التحكم فيها، وتستبدل فوضى الحرية بكمال مصطنع لا يقبل التمرد؟

#من #علامة #في #السماء #إلى #طاعون #على #الأرض #التعددية #والإرادة #الحرة #في #عصر #العقول #المتصلة

من علامة في السماء إلى طاعون على الأرض: التعددية والإرادة الحرة في عصر العقول المتصلة

– الدستور نيوز

اخبار الفن – من علامة في السماء إلى طاعون على الأرض: التعددية والإرادة الحرة في عصر العقول المتصلة

المصدر : turkiyetodays.com

.