دستور نيوز
محمد أبي سمرة
الثلاثاء 20 يناير 2026 – الساعة 14:30
المصدر: المدن
ضوء مريض ووحيد في قلبي. وأظلمت الشمس، ولم ينشق حجاب الهيكل من وسطه، بل انشق رأسي وبقي في مكانه. لم يكن هناك صراخ، بل صمت تام وعويل أشلاء، وحياة سابقة تظهر أمامي، وكسور لا تعد ولا تحصى، وطيور مشلولة، وأشجار تبكي. وكان المارة مجهولي الهوية ولا صوت لهم. الخرس يحل بالألسنة. وهو يوم مظلم، والليل يمتد على مناطق النفس والجبال والأنهار. وسكان الأرض لم يرتعدوا لأنهم لم يعلموا وأنا وحدي علمت…
هذا مقتطف من نص شعري أو قصيدة نثرية جديدة لعقل العويط، قرأها لنا عندما التقيناه في عزلته المنزلية، وتحدثنا عن شروط كتابته وكتابته وأساليبه وموضوعاته، بمناسبة صدور كتابه الجديد «كتاب الغرفة» في «دار نوفل حاشيت أنطوان» في بيروت. وهنا نص الحوار.
– وكأن مشهد دمار لبنان وانفجار مرفأ بيروت حاضر في خلفية هذا النص الذي قرأته.
• في عزلتي أعيش اللامعنى الوجودي وسط هذا الركام.. في نصف ساعة كتبت هذا النص وكأن الشعر ينزل علي.
-أنت محظوظ.
• محظوظ وعكسها.
– في أماكن في «كتاب الغرفة» وقبل ذلك في «وثيقة الميلاد»، هناك شغف قوي بالشتاء وعواصفه.
• أنا على يقين أن الشتاء هو لحظة ولادتي. في يوم ولادتي، في إحدى ليالي عام 1952، حدث فيضان في قرية عائلتي، في مدينة زيزا الساحلية الشمالية، بالقرب من شكا. كانوا يعيشون في منزل من طابقين على الطراز المعماري القديم…
– لمن هذه الرواية؟
• رواية عائلتي. كان طوفان الماء يغمر أرضية المنزل عندما شعرت والدتي بآلام المخاض بداخلي في تلك الليلة الشتوية العاصفة. أرادت أن تلد في منزل أهلها، على بعد 25 مترًا من منزلها، حيث كانت برفقة أخي الأكبر والأصغر في ذلك الوقت وأختي (التي أصبحت فيما بعد راهبة)، والتي لم يكن عمرها بعد أحد عشر شهرًا. فحملتها أمي وجرّت أخي وسارت نحو منزل أهلها، لكن العاصفة المطيرة أعادتها إلى منزلها.
وبمساعدة قابلة القرية ألماظة العويط أنجبتني. منذ طفولتي وهذه القصة ترافقني. لقد ولدت من ماء الرحم والعالم غمره الماء، الذي منحني الشبع والطمأنينة، بدلاً من الخوف والقلق والرعب. ولذلك كلما عاصفت الدنيا وكثر المطر زادت طمأنينتي وطمأنينتي، وأنا بطبيعتي وكوني بحر عاصف.
-هل هذا يفسر علاقتك الرحيمة بالطبيعة، وبالطبيعة اللبنانية تحديداً؟
• أنا جزء من الطبيعة العاصفة لهذا الكون. هناك تماثل بين قلقي واضطرابي واضطرابي وطبيعتي، بينما تحيط بي قوة غريبة من الألفة والطمأنينة. هذا الاتساق يوفر لي العزاء المستمر. كلما كانت الطبيعة في حالة من الإثارة والعاصفة، أعود إلى طبيعتي الأصلية، وأشعر بما يشبه النشوة الجنسية.
– هل لذلك علاقة بطبيعتك اللبنانية وفصاحتك ومناخك اللغوي في الكتابة؟
• نعم، من جانب أو آخر. أما الجانب الآخر من طبيعة لبنان الربيعية والصيفية فلا يناسب مزاجي وطبيعتي، بل يصيبني بالغثيان. أنا لا أحب الصيف. الشمس، بإشعاعها الصيفي، تجعلني أشعر بالسوائل التامة في جسدي ورأسي. تحت الشمس أنا ميت، وأفقد كامل حيويتي إلا في الخريف والشتاء. لا، هذا الجانب من تكويني ليس ريفيًا وجبليًا فحسب، بل ساحليًا وبحريًا أيضًا.
– وما علاقة كل هذا بالكتابة؟
• لا أستطيع ألا أكون شاعراً. خارج الشعر أنا جثة. إن الانتقال من الرخاوة والسيولة إلى الفوران والعاصفة هو ما يحقق الشعر بالنسبة لي.
المسيحيون والجلجلة اللبنانية
– دعني أسألك عن علاقة الطبيعة اللبنانية بالفكرة اللبنانية، بمزاج المسيحيين اللبنانيين، بتكوين مشاعرهم وعواطفهم تجاه لبنان، بتنظيم حياتهم ولقاءاتهم فيه، بالمآسي اللبنانية وكأنها مصير ومصير فئاته؟
• في الواقع، لا أريد لحديثنا أن يخرج عن هذه العقيدة التي تدفعني إلى التفكير كرجل منغمس في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. عشت طفولتي وحياتي في بيئة مسيحية، ولكنني عشت أيضاً في كل البيئات اللبنانية واختلطت بها في بيروت. منذ طفولتي في شكا، لا أنسى كيف كان يبكيني صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي كان يصلني من المسجد. صوته كان ولا يزال يمتلكني. الألم في صوته يحاكي المشاعر والأحاسيس المدفونة في قلبي وروحي. لذلك أجد أنني لست راضياً ولا راغباً في حصر جرح اللبنانيين ومآسي اللبنانيين والقدرة على تحملها، على المسيحيين ومصيرهم ومصير لبنان. وذلك على الرغم من إيماني بأن المسيحيين يتحملون مآسي لبنان ومصيره المأساوي بصبر ومن دون إكراه، لشعورهم العميق بأن هذا هو مصيرهم الوحيد، ولا خيار لهم غيره. إنه ثمن استحقاقهم لبنان، كما استحقت قيامة المسيح الجلجثة. وهذه بالطبع معادلة طوباوية للغاية. أما أنا شخصياً فلا أريد ولا أطلب هذا الصبر والتحمل. لأنني أؤمن بأن الحياة يجب أن تُعاش بكرامة قبل أي شيء آخر.
ألم ينفد الصبر على تحمل الجلجلة اللبنانية، ليصل إلى اليأس واللامعنى؟
• من وجهة نظري لهذه القضية، وفي الواقع الفعلي الذي يعيشه لبنان اجتماعياً وسياسياً، فإن اعتماد الصبر المأساوي يبدو مخالفاً لطبيعة الحياة ويستحيل العيش فيه.
– لماذا لم ييأس المسيحيون من لبنان حينها؟
• ربما لأنهم أبناء الأرض، لم يكن لديهم سوى مكان مادي للعيش فيه قبل أن ينتقلوا إلى المدن. وقد تماثلوا مع الأرض بعد أن لجأوا إليها واكتسبوا منها الصلابة. أما وعيي الشخصي فيقول إن تحمل المآسي أمر ضروري ومنطقي للوصول إلى حياة كريمة. لكنني لا أعرف كيف أجد طريقة للعيش بهذه الطريقة. يجب أن نعيش الحياة، لا أن ننتحر. اليوم في لبنان لا نعيش، بل ننتحر.
– الصبر المأساوي الذي أسميته بالطوباوي قد يشمل الموت في سبيل استحقاق لبنان. ولكن في قلب هذا الإماتة يكمن يأس طائفي أشبه بالمافيا للاستيلاء على المناصب والسلطة والموارد المادية.
• وهذا صحيح في جانب واحد، ولكني أختلف معك في جانب آخر. هناك العديد من الأفراد خارج مجموعاتهم، الذين يعانون من نوع مختلف من المأساة. مأساة اجتماعية وشعرية، لأنهم يريدون الوجود خارج الجماعات، وأفقهم هو الحياة، وليس لبنان وحده. فمثلاً أنظر إلى العالم والكون كله، وليس إلى لبنان فقط. أنا موجود في الكون واللغة، وأعيش في الغرفة والكون واللغة. لغتي العربية هي العالم والكون. لا، أنا لست سجيناً للقضية اللبنانية. أنا طفل القدر الإنساني في ظل وحشية الحضارة بأشكالها المتعددة. لكن هذه الوحشية المظلمة لا تخلو من محطات وتجارب وأفكار مشرقة في حياة الشعوب وتاريخها. على سبيل المثال، في لبنان في الستينيات والسبعينيات، ما عايشته وكتبته في «كتابة الغرفة»: تجربة «حركة الوعي» الطلابية. تجربة الطالب في كلية التربية – الجامعة اللبنانية. تجربة “ملحق النهار” و”النهار”. مجتمع بيروت ورأس بيروت…
-ولكن لم يبق من كل هذا شيء.. كل هذه التجارب باءت بالفشل.
• لا، لم تفشل، بل هي مشرقة ومتألقة في حركة التاريخ المظلمة والوحشية.
– لم ينطفئ؟ فبدلاً من ترميمه وإضافة السحر إليه من الشعر، أليس من الواجب أن نزيل السحر عنه؟
• لا، لم يتم إيقاف تشغيله. ولا أستعيده، بل هو جزء من كياني الشعري. وربما فشلت وانطفأت بالمعنى الرياضي، لأن الطائفية التي تتكون منها الجماعات وانتشار الفساد في المؤسسات أقوى منها بكثير، وبالتالي قتلتها. لكنها لا تزال علامات مضيئة في ظلمة التاريخ، وهي مضيئة في حركته.
غرفة الخلاص من الجحيم مع الشعر
– في كتابتك النثرية أجزاء من السيرة الذاتية.
• السيرة الذاتية حاضرة أيضاً في صلب كتابتي الشعرية. كتابي الروائي «وثيقة الميلاد» وهو كتابي الأكبر، أعتبره نوعًا جديدًا من الكتابة الشعرية. إن انتمائي إلى الشعر النثري مكنني من سد الفجوة بين الشعر والنثر. في «وثيقة الميلاد» رويت شعرياً كيف ولدت، وكيف أن الحب الذي أدى إلى زواج بين جد قديم وجدتي تمكن من كسر سلسلة الانتقام بين عائلة العويط وعائلة أخرى في بزيزة، التي يمتلئ تاريخها بأحداث القتل الانتقامي بين أهلها. كيف نصب مؤسس عائلة العويط في بزيزة خيمة لعائلته في أطرافها، بعد أن اضطر للهجرة من موطن عائلته ميروبا، لأنه قتل رجلاً من عائلة أخرى هناك. كان ذلك الرجل القاتل صاحب صوت عالٍ، لذلك فإن ما أطلق عليه أهل بزيزة -العويت- هو في الغالب لقب عائلته الذي حمله من وطنه السابق ميروبا.
– ما هي نتيجة هذا الإرث الطويل في المجتمع اللبناني؟
• في كتابتي الشعرية وفي روايتي الشعرية، لا يعنيني هذا الجانب الأنثروبولوجي والاجتماعي. أنا كائن شاعري، وأنظر إلى العالم من زاوية شعرية وفنية. حتى كتاباتي الثقافية اللبنانية عن الطائفية والمقاتلين والفساد اللبناني تهيمن عليها اللغة الشعرية والمقاربة الشعرية، لأنني مهووس بالعالم شعرياً. إن ذاتي الشعرية حاضرة في ظل الاضطراب الوجودي. أجد دائمًا مكانًا للرؤية الشعرية في قلب المآسي اللبنانية. من الفرن اللبناني ومن المقبرة اللبنانية أصنع لغة شعرية، لأنني أريد أن أخلص لبنان من أمراضه بالشعر. وما دامت لدي كفاءة لغوية وطاقة شعرية فلماذا ألقي بهما في ذلك الفرن القاتل؟! إذن لغتي وشعري ليسا طاهرين ومطهرين، بل هما عذاب وجحيم. أنا كائن جهنمي، ولدي موهبة تمكنني من كتابة هذا الجحيم كتابة شعرية. كل يوم، هذا الجحيم الذي أهرب منه يصبح فريسة للشعر. نعم أنا الخلاص أو الخلاص من الجحيم باللغة والشعر. ولذلك فإن الغرفة هي البطلة في «كتاب الغرفة»، لأنها هروب من الجحيم إلى الكتابة والشعر، وهي المكان الذي أبدع فيه اللغة أو أستخرجها. الغرفة هي لبنان، وهي المأساة. بهذا المعنى أنا كائن لغوي في الجحيم.
فؤاد سليمان
– من هم أسلافك في الكتابة ومن كان المؤثر في كتابتك؟
• تأثرت كثيراً بلغة فؤاد سليمان وكتابته، أكثر بكثير من تأثري بخليل جبران، وذلك منذ أن كنت في العاشرة من عمري. لكن لغة الكتاب المقدس، لغة التوراة، كان لها تأثير عليّ أكبر من تأثير سليمان الذي كتب مآسي لبنان، وكانت كتبه إنجيل طفولتي وشبابي. اللغة التي كتب بها مهمة بالنسبة لي. وكانت لغته اللبنانية الجبلية إحدى ركائز المدرسة الكتابية اللبنانية، دون أي أيديولوجية. ومن طريق القمر إلى قناديل البحر والعشب والطيور والوديان وكل عناصر الطبيعة الأخرى، ابتكر لغته الشعرية. وهو أول من مهّد لكتابة قصيدة النثر باللغة العربية.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#عقل #العويط #لست #أسير #الشأن #اللبناني #صوت #لبنان #صوت #لبنان
عقل العويط: لست أسير الشأن اللبناني – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – عقل العويط: لست أسير الشأن اللبناني – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
