دستور نيوز
صلاح السلام
الاثنين 19 يناير 2026 – 10:39
المصدر: اللواء
إن تأخير الضربة الأمريكية المفترضة ضد إيران لم يكن مجرد تفصيل فني ولا مجرد تناقض في تقدير الوقت. بل عكس في جوهره صراعاً داخل مراكز صنع القرار في واشنطن بين منطق القوة ومنطق إدارة المخاطر. والولايات المتحدة، رغم امتلاكها القدرة العسكرية على ضرب إيران بقسوة، تدرك أن أي عمل عسكري واسع النطاق لن يكون حدثا معزولا، بل حلقة في سلسلة من التفاعلات الإقليمية التي قد تخرج بسرعة عن نطاق السيطرة، خاصة في ظل تشابك الساحات من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.
وفي هذا السياق، لا يمكن الاستهانة بثقل الوساطات الإقليمية، خاصة السعودية وقطر وعمان، التي لعبت دوراً مزدوجاً: من ناحية، زودت الإدارة الأمريكية بقناة اختبار إضافية لنوايا طهران وإمكانية انتزاع تنازلات سياسية أو أمنية بتكاليف أقل من الحرب، ومن ناحية أخرى، أعطت واشنطن هامشاً دبلوماسياً لتبرير التأجيل لحلفائها دون أن تبدو وكأنها تتراجع. إلا أن هذه الوساطات، على أهميتها، ليست العامل الحاسم وحده. بل تتقاطع مع قناعة أميركية أعمق بأن الضربة العسكرية، مهما كانت دقيقة، لا تضمن سقوط النظام الإيراني. بل قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً من خلال إعادة توحيد الداخل الإيراني خلف السلطة، وإعادة إنتاج خطاب «الاضطهاد القومي» الذي أتقنته طهران تاريخياً.
ويظل العامل الأكثر حساسية في حسابات التأجيل هو غياب البديل الجاهز. لقد تركت التجارب الأميركية في المنطقة، من العراق إلى أفغانستان، ندوباً عميقة في الوعي الاستراتيجي الأميركي. إن إسقاط نظام لا قوة داخلية منظمة قادرة على ملء الفراغ، أو إجماع دولي على شكل المرحلة الانتقالية، يعني عملياً فتح الباب أمام فوضى إقليمية جديدة. ولا يبدو أن واشنطن ولا حلفاؤها في المنطقة مستعدون لتحمل العواقب في هذه المرحلة، لا سياسياً ولا اقتصادياً. ومن هنا فإن خيار المفاوضات، ولو هشاً، يبدو كأداة لإدارة الصراع وليس حله، ووسيلة لتغيير السلوك الإيراني تدريجياً، بدلاً من السعي إلى تغيير النظام دفعة واحدة.
وهناك معلومات متداولة في الأوساط الأميركية عن قنوات حوار غير مباشر بين واشنطن والحرس الثوري الإيراني، أظهرت بوادر وقف العنف والإعدامات ضد المتظاهرين، وخفض حدة التظاهرات إلى حد التجميد في بعض المناطق، وهو ما أرجح كفة من يقول إنه من الممكن التوصل إلى صيغة تؤدي إلى إحداث التغيير المطلوب في السلوك الإيراني، داخلياً وخارجياً، من خلال التفاوض، ليتولى الحرس الثوري إدارة التغيير في سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا. وربما من السابق لأوانه التنبؤ بمدى نجاح هذه المفاوضات، رغم أن الجانب الأميركي حدد لها سقفاً زمنياً.
لكن الرهان على التزام إيران بنتائج أي مفاوضات يظل موضع شك على نطاق واسع، ليس فقط من جانب خصومها، بل أيضاً من جانب الوسطاء والشركاء في التفاوض. وتظهر التجربة الطويلة مع طهران أنها تتعامل مع الاتفاقات باعتبارها محطات تكتيكية، وليست تحولات استراتيجية، وأنها غالبا ما تلتزم بالنصوص طالما أنها تخدم مصالحها المباشرة، ثم تسعى للتحايل عليها أو إعادة تفسيرها عندما تتغير موازين القوى. لكن لا يمكن إنكار أن إيران، تحت ضغط العقوبات والخنق الاقتصادي، قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات محسوبة، خاصة في ملفات لا تمس جوهر عقيدتها الأمنية، مع محاولتها الحفاظ على بعض أوراق النفوذ الإقليمي كـ«ضمانة تفاوضية» للمستقبل.
وهنا تحديداً، يتقاطع المسار الإيراني مع الوضع اللبناني. لبنان، بسبب بنيته الهشة، كان دائماً من أكثر الساحات تأثراً بتقلبات العلاقة الأميركية – الإيرانية. ويتعمق هذا النفوذ مع تنامي القناعة لدى شريحة واسعة من القوى اللبنانية والسياسية بأن قرار التسلح ليس شأناً داخلياً بحتاً، بل هو جزء من نظام إقليمي يتخذ قراره النهائي في طهران. إن تأجيل الضربة الأميركية، وما تحمله من مؤشرات على تفضيل التفاوض، يعكس عملياً إطالة أمد هذا الواقع، كما يمنح إيران وقتاً إضافياً للاحتفاظ بأوراقها اللبنانية، ويؤخر أي حل لمسألة الأسلحة ودورها.
في المقابل، فإن أي تسوية أميركية إيرانية، ولو جزئية، قد تفتح نافذة ضيقة على لبنان، إذا اقترنت بضغوط دولية واضحة لفصل المسار اللبناني عن الصدام الإقليمي. لكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً ما لم تتوفر إرادة لبنانية داخلية لإعادة احترام منطق الدولة، واستغلال اللحظة التفاوضية لفرض مقاربة جديدة لمسألة السيادة والسلاح.
بين تأجيل الضربة واحتمالات التفاوض، يبقى لبنان معلقا في منطقة رمادية، يدفع ثمن صراع لم يقرر بعد كيف سينتهي، ولا بأي ثمن.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#حوار #أميركي #مع #الحرس #الثوري #الإيراني #صوت #لبنان #صوت #لبنان
حوار أميركي مع الحرس الثوري الإيراني؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حوار أميركي مع الحرس الثوري الإيراني؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
