دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
أثبتت التجربة أن النمط التوزيعي السائد في السياسات العامة اللبنانية لم ينجح في وقف مسار الإفقار. وعلى الرغم من الإنفاق على مناطق مختلفة، إلا أن تأثير التدخلات ظل محليا ومحدودا، ولم يساهم في خفض معدلات الفقر والحرمان. وبالفعل فإن مقارنة خرائط انتشار الفقر بين عام 2001 واليوم تظهر أن المناطق الفقيرة ظلت فقيرة، وأضيفت إليها مناطق جديدة. وهذا يعني ببساطة أن نمط التدخل التقليدي قد فشل، وأن المطلوب هو نهج مختلف جذريا.
النهج البديل: الترابط والتآزر والتمكين
ويعتمد النهج البديل على فكرة الترابط والتآزر العضوي بين السياسات والتدخلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضرية. والمطلوب هو تصميم تدخلات اجتماعية واسعة النطاق تصل إلى مجموعات وأعداد ومساحات كبيرة بما يكفي ليكون لها تأثير فعال على مستوى المدينة بأكملها. كما يجب أن تتجاوز هذه التدخلات منطق التوزيع إلى منطق التمكين، وتطلق ديناميات اجتماعية تساهم في فتح التماسك الاجتماعي وتحفيز الحراك الاجتماعي التصاعدي.
ثلاثة مسارات استراتيجية متكاملة
وتماشياً مع النهج الشامل، وانطلاقاً من ضرورة الترابط والتعايش بين المسارات، فقد تم تحديد الأهداف الرئيسية لاستراتيجية التنمية الحضرية المطلوبة في ثلاثة مسارات:
أولاً: المسار السياسي المؤسسي:
ويجب ضمان الأمن والاستقرار كشرط مسبق ضروري لأي خطة تنمية. كما يتطلب تعزيز دور المؤسسات المحلية، وإشراك المجتمع المدني والفاعلين المحليين في صنع القرار، وبناء آليات حوكمة شفافة وفعالة تضمن استدامة التدخلات وتحقق العدالة في توزيع الموارد.
ثانياً: المسار الاقتصادي والاجتماعي الاقتصادي:
وتهدف إلى إطلاق ديناميكية اقتصادية حضرية مندمجة ومتكاملة مع الاقتصاد الوطني، تتمحور حول خلق فرص عمل لائقة ومستدامة، خاصة للشباب. ويجب أن يكون لهذه الديناميكية محتوى اجتماعي قوي، وأن تساهم في مكافحة الفقر وعدم المساواة، وأن ترتبط ببرامج التدخل الاجتماعي الشاملة والقطاعية (الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية)، المتآزرة معها، والموجهة نحو تحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة، بما في ذلك المساواة بين الجنسين، ومدعومة بالمشاركة النشطة للشباب في تصميم المشاريع وتنفيذها.
ثالثاً: المسار الثقافي والاجتماعي الثقافي:
تعمل على تغيير صورة المدينة داخلياً وخارجياً. فمن ناحية يجب تنمية قيم وسلوكيات المواطنين، وتعزيز شعورهم بالانتماء لمدينتهم دون تمييز، وصياغة هوية المدينة الشاملة والجذابة. ومن ناحية أخرى، لا بد من العمل على تحسين صورة طرابلس لدى اللبنانيين الآخرين والمستثمرين والمجتمع الدولي، بما يعزز فرص الاستثمار والتنمية. ويتطلب هذا المسار أيضًا رفع المستوى التعليمي والمستوى المهاري لعامة السكان، ولفئة الشباب بشكل خاص، من خلال برامج تعليمية وتدريبية محددة.
من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل
ويجب طمأنة سكان طرابلس، على وجه الخصوص، إلى أن الدولة لن تتركهم بمفردهم في مواجهة خطر الانهيار الحضري أو الكوارث الطبيعية المحتملة. وفي الأسابيع المقبلة، يجب على الحكومة أن تنظم اجتماعات واسعة وشفافة لمناقشة خطط الإنقاذ العاجلة، ومعالجة هموم المواطنين الذين يجب احترام آرائهم ومشاركتهم الفعلية في تشكيل حاضر ومستقبل مدينتهم.
لكن الأهم هو أن الدولة اللبنانية تدرك أن طرابلس ليست عبئا، بل فرصة. إن إنقاذه من الانهيار العمراني والاجتماعي والاقتصادي ليس عملاً خيرياً، بل استثمار استراتيجي في مستقبل لبنان كله. وهو نقطة انطلاق نحو عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والإنصاف والتنمية المتوازنة.
وإلى غد مشرق نأمل أن يبنى على أسس متينة، وليس على أنقاض المباني المتهالكة والأحلام المؤجلة.
المحامي أسامة العرب
#طرابلس #من #خطر #الانهيار #العمراني #ومسؤولية #الدولة #تجاه #مشروع #الإنقاذ
طرابلس من خطر الانهيار العمراني ومسؤولية الدولة تجاه مشروع الإنقاذ – 2
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – طرابلس من خطر الانهيار العمراني ومسؤولية الدولة تجاه مشروع الإنقاذ – 2
المصدر : www.elsharkonline.com
