.

مستشفى كمال عدوان في غزة… ثأر قديم…

مستشفى كمال عدوان في غزة… ثأر قديم…

دستور نيوز

تتوالى الأخبار عن الكوارث التي تعيشها مستشفيات قطاع غزة، وخاصة مستشفى كمال عدوان، الذي لا يتوقف طاقمه عن النداء طلباً للنجدة؛ لعل أحداً ينقذهم من “الكارثة الفيروسية” التي توشك أن تحدث هناك. إضافة إعلان إن انتقام الاحتلال الإسرائيلي من مستشفى كمال عدوان قديم، أقدم بكثير مما يظن البعض؛ إنه انتقام شخصي من صاحب الاسم الذي اغتيل بدم بارد على يد الموساد في بيروت. لم تكن مها الجيوسي ذات العشرين ربيعاً تتخيل أن الدستور نيوزاء الشرفي الذي دُعيت إليه أثناء دراستها الجامعية في القاهرة في الستينيات، سيأخذها في رحلة حياة طويلة تتحدى الخيال في كثير من الأماكن. مها وذلك الشاب الطويل الأسمر البشرة، ذو الشعر الكثيف، القادم من قطاع غزة، كانا كمال عدوان. عدوان الذي سيتحول بعد سنوات من ذلك اللقاء إلى خبر عاجل تبثه وكالات الأنباء العربية والعالمية، بعد أن كان هو المسؤول عن البيانات الإعلامية والتصريحات الصحفية لفصيل فتح الذي ينتمي إليه. “كان كالقنبلة الموقوتة التي تريد أن تنفجر لإحداث التغيير المنشود في المنطقة. فمنذ أن عرفته كان يتمتع بطاقة داخلية هائجة ودوافع رهيبة. وقد ترجم كل ذلك في عمله السياسي كمفوض للأراضي المحتلة، بالإضافة إلى دوره الإعلامي البارز في بيروت كمفوض للإعلام الثوري آنذاك”، يقول الجيوسي، مضيفاً: “لو كانت الأمور تقاس بعدد السنوات لما حقق كمال أي شيء بعد؛ فقد توفي قبل أن يكمل الثامنة والثلاثين من عمره، ولكن العديد والعديد من الإنجازات كانت مختومة بتوقيع كمال عدوان”. إن هذا الحماس المحموم للإنجاز، وتلك الرغبة العارمة في تكثيف الأحلام وظروف تحقيقها في فترة زمنية قصيرة، دفعت كمال سريعاً إلى تتويج ميله نحو مها، بالزواج منها في صيف عام 1965. وقد أثمر هذا الزواج بدانا في سبتمبر/أيلول 1968 ورامي في أبريل/نيسان 1970. ولم يحميه سياج الأمان الذي أحاط به كمال عائلته من سيناريو دموي كان يحاك ضدهم في ليلة مظلمة. تقول مها: “لم يجعلني أشعر بأي قلق أو ممارسات استخباراتية. كان بارعاً في التفكير في نفسه والآخرين، وكان محترفاً في جعلني أشعر بالأمان؛ لذلك لم يخطر ببالي أبداً أن يحدث أي شيء مما حدث، خاصة وأن بيروت كانت معقلاً لفتح في ذلك الوقت”. يقول الجيوسي إنه عندما فاجأ القتلة كمال، “كنت أناديه من الغرفة ليأتي ويرى ما أراه. كانت شظايا زجاج النافذة متناثرة على أغطيتنا. “وقف أمامي في الممر الضيق وظل يشير لي بالصمت وعدم ترك طفلينا وحدهما في السرير، وظل يتمتم: الله يعيننا، حتى اخترقت ثمان وخمسون رصاصة جسده وقتلته أمامي”. تقول مها إنها كانت تعاني خلال تلك الأيام من آلام في الأضراس واللثة، وأن موعد حبة المضاد الحيوي كان في الواحدة صباحا. ذهبت إلى سرير أطفالها وهي غارقة في الحمى والألم، بينما بقي كمال في غرفة الطعام لكتابة محاضرة للكوادر التنظيمية. تقول إنها اتصلت به لتسأله إذا كان قد حان موعد دوائه، فأجابها أنه يتابع الوقت بالثانية. وعندما حان موعد دوائه، حان موعد كمال أيضا. “اهتزت الأرض تحت قدمي عندما رأيت جسد كمال يسقط تدريجيا أمامي، وهو يرتدي الكلاشينكوف. أحدث سقوطه صوتا. كان رأسه بجانب الحمام وقدماه بجانب غرفة النوم. وتقول مها: “حتى تلك اللحظة كنت أظن أن ما أراه مجرد هلوسات بسبب ارتفاع درجة الحرارة”، مضيفة: “اقترب مني رجلان، ما زلت أتذكر أحدهما جيداً، كان متوسط ​​البنية، وشعره أملس، ويرتدي سترة بنية اللون وبلوزة صفراء بياقة عالية، سلطا الضوء على وجهي ووجه طفليّ، فغطيت رأسي بالبطانية وقلت إنني امرأة، اتركوني وشأني، واستغيثت بأهلي الذين لم يكونوا حولي، وهم موزعون بين الأردن والبحرين”. وفهمت مها من محتوى الاتصال الذي أجراه القتلة فوق رأسها، باللغة العبرية، أن هناك تساؤلاً بينهم حول ما إذا كان يجب عليهم قتل المرأة والطفلين أيضاً، “ويبدو أنهم تخلوا عن الفكرة عندما تأكدوا من أن كمال جثة هامدة، وأننا عاجزون، ولم يكتفوا بقتله، بل استمروا في ركل جثته الملقاة على الأرض، وكانوا يرددون أغاني النصر وهم يغادرون المنزل”. اكتست بيروت بالسواد حداداً على كمال ورفيقيه كمال ناصر وأبو يوسف النجار لثلاثة أيام متتالية، بل أشهر، استمر خلالها الناس والصحافيون بالتوافد إلى مكان الحادثة، وانتشرت صورهم وشعاراتهم في كل مكان، ورقصت نعوشهم على أكف الناس في الثاني عشر من إبريل/نيسان 1973. تقول مها: “لقد صعقت وقتها لدرجة أنني سألت من حولي عن هوية الشخص الموجود في الصورة، كنت أنظر إلى كمال في كل مكان وأتساءل أين رأيته وقرأت بيانه من قبل؟” آه كمال. آه مها. آه غزة. آه فلسطين. آه بيروت. آه ليل، كم أنت طويل!!

مستشفى كمال عدوان في غزة… ثأر قديم…

– الدستور نيوز

.