دستور نيوز

يرى كثير من المحللين أن الانقسامات الطبقية تنخر المجتمع الإسرائيلي منذ أقام دولته على أرض فلسطينية محتلة، فالمتدينون يهددون العلمانيين ويرفضون قرارات المحكمة العليا، والمتطرفون يدافعون عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يغرق في غزة، ومع المجتمع الدولي، والحلقة الأضعف هي العرب الذين يعارضون النظام السياسي الموصوف بالعنصري. فما هي ملامح الصراع الخفي في هذا المجتمع؟ عادت صراعات الاحتلال الداخلية إلى الظهور من جديد، في ذروة الترقب الذي يعيشه هذا المجتمع في انتظار الرد الإيراني، وبعد عشرة أشهر من الحرب على قطاع غزة، في وقت يسأل فيه الإسرائيليون أنفسهم ما الذي يجب أن يخشوه أكثر: حرب بينهم وبين إيران أم حرب داخلية بين الحركات السياسية والمعسكرات الحزبية والطوائف الدينية. وتجلت الخلافات في التوتر بين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت بشأن كل ما يتعلق بأولويات الحرب على غزة وإعادة المعتقلين، ورفض الحريديم الخدمة في الجيش لأسباب دينية، وإعلان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أنه سيبدأ بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى لصالح اليهود، والتهديد بحل الحكومة إذا توقفت الحرب. ويتفق المحللون في الكيان المحتل على أن الخلافات بين نتنياهو وغالانت هي استمرار للخلافات التي اندلعت بينهما في العام 2023 على خلفية خطة الحكومة لتعديل الجهاز القضائي، فضلاً عن اختلاف مواقفهما بشأن أولويات الحرب، حيث يواصل رئيس الوزراء الترويج لـ”النصر المطلق”، الذي وصفه وزير الدفاع بـ”الهراء”، وكرر موقفه الداعم لصفقة التبادل وإعادة المعتقلين. في ظل تصاعد الصراعات الداخلية، يسعى وزير العدل ياريف ليفين إلى إعادة تشريع التعديلات على النظام القضائي الإسرائيلي، والتي تم تعليقها تحت ضغط من معسكر المعارضة وحركة الاحتجاج في أعقاب الهجوم المفاجئ الذي شنته حماس على مستوطنات “غلاف غزة” في 7 أكتوبر 2023. من جانبه، يقول بن كسبيت، المحلل السياسي لصحيفة معاريف، إن “ليفين أدرك اللحظة المناسبة لتكرار الانقلاب القضائي المجنون. وكأن الانقسام الداخلي والضعف في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والأكاديميا لم يكن كافياً بالنسبة له. وفي الوقت الذي ننتظر فيه وابل الصواريخ من حزب الله وإيران، ينتهز الفرصة لإرسالنا إلى الجحيم بالتعديلات القضائية”. ويعتقد أن حكومة نتنياهو تسعى إلى إبعاد كل مسؤول لا ينسجم مع مصالح ائتلافها، مشيرا إلى أنهم يخططون لإقالة المستشار القانوني للحكومة غالي بهاراف وطرد غالانت، إما بعد أو قبل إقالة رئيس الأركان هرتسي هاليفي أو رئيس الشاباك رونين بار، أو كل المسؤولين عن الكارثة التي حلت بإسرائيل. وبحسب المحلل السياسي في موقع “زمان يسرائيل” تال شنايدر، فإن الخلافات والصراعات الداخلية التي تشهدها إسرائيل أشبه بجبهة حرب أهلية تعكس عمق الشرخ في المجتمع الإسرائيلي، على الرغم من التهديدات الوجودية لمشروع “الدولة اليهودية”. وأوضح شنايدر أن الإسرائيليين يعرفون جيدا أن نتنياهو لا يتحدث مع غالانت ويسعى إلى شيطنته داخل حزب الليكود والبحث عن بديل له كوزير للدفاع، قائلا: “لقد أضيفت طبقة أخرى إلى الخلاف السياسي الأكثر بشاعة وعدوانية في تاريخ البلاد، حيث يتهم رئيس الوزراء وزير دفاعه بتبني خطاب معاد لإسرائيل”. وأشارت إلى أن النخبة السياسية في إسرائيل عرفت توترات وصعوبات عبر التاريخ، وخاصة في المحور بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع، لكن شنايدر تقول إن “التركيبة القاتلة لحرب استنزاف وصراعات داخلية لم تشهدها إسرائيل من قبل”. وأضافت المحللة السياسية: “أحد أكثر جوانب الحرب إثارة للخوف هو أن نتنياهو وغالانت يهاجمان بعضهما البعض بشكل علني وصارخ، بينما تستمر الهجمات على إسرائيل من سبع جبهات، وحماس تحتجز 115 رهينة، ونحن ننتظر بقلق رد إيران وحزب الله”. نفس الحجة ناقشها يوسي فيرتر، محلل شؤون الأحزاب في صحيفة هآرتس، الذي أوضح أن غالانت يظهر علانية احتقاره المطلق لنتنياهو، الذي اختار مرة أخرى تأجيج النيران بينهما في وقت تشهد فيه البلاد أيامًا مصيرية وسط ترقب للرد الإيراني، فضلاً عن انتظار بفارغ الصبر لنتيجة مفاوضات تبادل الأسرى، التي اعتبرت الفرصة الأخيرة لإعادة المعتقلين الإسرائيليين. وفي ظل المشهد الضبابي والمخاوف الإسرائيلية من اندلاع حرب إقليمية إذا أضر الرد الإيراني على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، يقول فيرتر: “في لعبة التخمين التي تدفع إسرائيل إلى الجنون، من سيهاجم أولاً، الإيرانيون أم حزب الله، تأتي الإجابة من وزارة الدفاع: غالانت يهاجم نتنياهو”. وفي مواجهة التحديات العديدة التي تواجه إسرائيل، يقول فيرتر: “كان من المتوقع أن يرتفع نتنياهو فوق تصريحات غالانت، ويتجاهلها، أو يصدر رسالة أكثر عقلانية. فهو في النهاية رئيس الوزراء. لكنه غير قادر. إنه متعجرف ومتغطرس، وكل من لا ينضم إلى شعاراته هو مخرب وخائن للدولة، وهدفه التشهير والتحريض”. ويرى أن “الإذلال المستمر” الذي يوجهه لوزير الدفاع لا ينعكس على الداخل فقط، بل على الخارج أيضاً، قائلاً إنه “جزء من مكونات ذلك الردع المتهالك والمتآكل، وهو أيضاً أسوأ جزء في علاقات إسرائيل بالغرب وأميركا”. وختم بالقول: “في إسرائيل نعيش في فقاعة حامضية معزولة عن العالم الخارجي، في ظل الانقسام الداخلي المتسع، والانقلاب الهادئ لليمين المتطرف، والإعلام الذي لا يريد دعم الشعب والتحديات التي يواجهها، ونحن غافلون عن حقيقة أن إيران وحزب الله لا يرتدعان عن مهاجمة إسرائيل”. وفي ظل هذا الواقع، أعرب رئيس حركة “بنيما”، الحاخام شاي بيرون، وزير التعليم الإسرائيلي الأسبق، عن قلقه من تصاعد الصراعات الداخلية في إسرائيل، التي خرجت عن مسارها بفعل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لتعود هذه الصراعات والخلافات مجدداً بعد أكثر من 10 أشهر من الحرب، دون تحقيق أهدافها أو إعادة المعتقلين. تحت عنوان “ذكرى خراب الهيكل هي الوقت المناسب لقول كفى للحرب الداخلية”، كتب بيرون مقالاً في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، حذر فيه من تصاعد الخلافات الداخلية في إسرائيل وتعميق الانقسام المجتمعي والانقسام السياسي والاستقطاب الحزبي والديني، مشيراً إلى أن هذا قد يؤدي إلى حرب أهلية داخلية. وكتب بيرون: “لقد عشت لسنوات عديدة بشعور معين، بأنه لن يكون هناك دمار ثالث، نحن هنا وإلى الأبد. ولكن في العامين الماضيين تصدع شيء ما في ثقتي بنفسي. أشعر أحيانًا أنه بقدر ما نقاتل أعداءنا، نستمر في القتال داخليًا، لقد جن جنوننا”. وختم بقوله: “يبدأ الدمار والخراب من الداخل، والإسرائيليون هم أخطر عدو لأنفسهم. لا يجب فقط استعادة الردع ضد الأعداء، بل الأهم هو الردع الداخلي، وفهم أننا نعرض أنفسنا للخطر”. (وكالات)
يتصاعد دخان الخلافات العميقة في الكيان المحتل، ينذر بحرب أهلية…
– الدستور نيوز