ألدستور

عمان – هناك العديد من الدراسات والأبحاث والمسوحات المتعلقة باللاجئين وأثر لجوئهم على الدول التي استضافتهم ومن بينها الأردن، ورغم هذا التعدد والتنوع إلا أن أغلب نتائج هذه الدراسات لا تنعكس على أرض الواقع حيث أصبحت -بحسب خبراء ومراقبين- حبراً على ورق، ويوضحون أن هذه الدراسات -بغض النظر عن الجهات التي تنفذها سواء كانت حكومية أو مؤسسات مجتمع مدني أو ممولة أو مؤسسات دولية- تعمل على تحديد المشاكل المتعلقة باللاجئين وأثر استضافتهم على الدول المضيفة وتشخيصها وتقديم التوصيات لمعالجتها، إلا أن السياسات والإجراءات التي تتخذها الحكومات المختلفة لا تنسجم مع نتائج وتوصيات هذه الدراسات، وإضافة إلى ما سبق يرى الخبراء أن هذه الدراسات لم تؤد إلى تأمين التمويل اللازم للاجئين والدول المضيفة، بل على العكس تزامن تنفيذ هذه الدراسات مع تراجع التمويل الموجه نحو اللجوء، ويمثل اللاجئون في الأردن أكثر من ثلث عدد السكان البالغ نحو 11 مليون نسمة. وتعترف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعدد المسجلين لديها والذي يقدر بنحو 712,878 لاجئ، منهم 638,760 لاجئ سوري و74,118 لاجئ من جنسيات أخرى، ويعيش أكثر من 82.1% من هؤلاء اللاجئين في المناطق الحضرية وشبه الحضرية. وقد أكدت العديد من التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية العبء الثقيل الذي يفرضه اللجوء على الاقتصاد الأردني، ومن بينها تقرير برنامج الغذاء العالمي حول عملياته في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق أوروبا العام الماضي، والذي أكد أن “الأردن يكافح لتحسين أدائه الاقتصادي الضعيف، المتأثر بالأزمة السورية، التي فرضت ضغوطاً إضافية على سوق العمل المحدودة والرعاية الاجتماعية والموارد الطبيعية”. وذكر أن “النقص الشديد غير المسبوق في التمويل أجبر البرنامج على تقليص مساعداته الغذائية الشهرية بشكل كبير إلى 465 ألف لاجئ، غالبيتهم من السوريين”. وبحسب وزير تطوير القطاع العام السابق الدكتور ماهر المدادحة فإن مثل هذه الدراسات تتنوع وتتعدد وفقاً للأهمية والغرض الذي أجريت من أجله ووفقاً للجهات الممولة. وقال المدادحة إن هناك اعتبارات عدة لإجراء هذه الدراسات، تحاول أغلبها الإجابة عن أسئلة تتعلق بمشاكل اللاجئين أو عواقب هذا اللجوء على الأردن، وتابع: إلا أن هذه الدراسات ليست مهمة اليوم ما دامت لا تؤدي إلى حل المشاكل التي أجريت من أجلها، ولا يمكن تحقيق هذا الحل إلا بتوفير التمويل اللازم الموجه للاجئين أو للمملكة التي تستضيفهم وتتحمل العواقب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لتلك الاستضافة. وأكد المدادحة أنه إذا لم تساعد هذه الدراسات في تأمين التمويل اللازم لتلبية احتياجات اللاجئين والمجتمعات المضيفة التي تعاني أصلاً من مشاكل اقتصادية، فلن تكون مهمة وستكون مجرد حبر على ورق. وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك الدكتور قاسم الحموري إنه على الرغم من الدراسات العديدة التي أجريت وتجري حول اللاجئين في الأردن وتداعيات استضافتهم، إلا أن هناك “انفصالاً” بين نتائج وتوصيات هذه الدراسات والقرارات والسياسات المتخذة للتعامل مع اللاجئين، حيث إن العديد من نتائج هذه الدراسات لم تنعكس على أرض الواقع. وأضاف أن هناك دراسات تناولت تأثير اللجوء على سوق العمل وتغلغل اللاجئين في المجتمعات المحلية خارج المخيمات، وخرجت هذه الدراسات بتوصيات عديدة لحل المشاكل المتعلقة باللاجئين أنفسهم والمجتمعات المضيفة، إلا أن السياسات والقرارات المتخذة لم تكن متسقة مع هذه النتائج. وبحسب الحموري فإن هذه الدراسات لم تنعكس على حجم التمويل الموجه للاجئين أو للأردن، ورغم أن معظم هذه الدراسات تؤكد على ضرورة توفير التمويل اللازم، إلا أن التمويل الموجه لا يزال ضعيفاً وفي تراجع مستمر. ومن الجدير بالذكر هنا أن “استراتيجية الاستجابة للاجئين والمرونة 2024/2025” الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت قد أكدت أن الأردن أظهر ضيافة استثنائية في استضافة اللاجئين السوريين منذ عام 2016، وأنه على الرغم من الضغط على موارده الذاتية إلا أنه أعطى الأولوية لدمج اللاجئين وتقديم الخدمات المختلفة لهم. وقالت إن الأردن هو ثاني أعلى بلد مضيف للاجئين من حيث نصيب الفرد، على الرغم من عدم توقيعه على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لكن الأردن لديه تاريخ طويل في استضافة وحماية اللاجئين، مؤكدة أن “هذه الجهود تجسد التزام الأردن بدعم الحقوق الإنسانية الأساسية للاجئين”. وأضافت أنه بعد 13 عامًا من الأزمة السورية، تغلب الأردن على حالة الطوارئ الإنسانية الأولية، ولكن لا تزال هناك احتياجات كبيرة للاجئين السوريين، بما في ذلك الوصول إلى المأوى والوجبات الغذائية المتوازنة والسلامة. وأشارت إلى أن النمو السكاني، الذي تفاقم بسبب الظروف الاقتصادية البطيئة وعدم الاستقرار الإقليمي واضطرابات التجارة، أصبح يشكل تحديات في استيعاب اللاجئين في أنظمة الرعاية الصحية والتعليم وسوق العمل. ولمعالجة هذه التحديات المستمرة، تعمل الأردن بشكل وثيق مع شركاء الخطة الإقليمية للاجئين وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات لتنفيذ نهج موجه نحو الحلول بما يتماشى مع أهداف التنمية الأوسع. وأكد التقرير أن اللاجئين السوريين يواجهون نقاط ضعف متزايدة، بسبب فرص كسب العيش المحدودة، وعدم كفاية الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والإسكان. ويؤدي الوصول المحدود إلى التعليم والرعاية الصحية إلى تفاقم التحديات التي تواجهها هذه الفئات الضعيفة، مشيرا إلى أن “الوضع خطير بشكل خاص بالنسبة للفئات الضعيفة، بما في ذلك الأطفال والنساء اللاجئات”. ويواجه الأطفال والنساء اللاجئون نقاط ضعف متزايدة، مع أرقام مثيرة للقلق تشير إلى زيادة معدلات عمالة الأطفال والعنف القائم على النوع الاجتماعي. ولا يزال الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية محدودا. وأشار التقرير إلى أن نقاط الضعف الاجتماعية والاقتصادية صارخة، حيث يؤدي انخفاض المساعدات إلى ارتفاع مستويات الديون وارتفاع معدلات الفقر. وأكدت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مؤخرا أن هناك حاجة ملحة للتمويل الفوري والمستدام لمواصلة تقديم الخدمات الأساسية في الأردن، وصيانة المباني المدرسية. وفي تقرير حديث عن عملياتها في الأردن والمنطقة، أكدت أنه على الرغم من الاستقرار السياسي العام في الأردن، يواجه اللاجئون الفلسطينيون ظروفا اجتماعية واقتصادية متدهورة، خاصة وأن أكثر من ثلث الأردنيين يعيشون حاليا تحت خط الفقر، بزيادة قدرها 11٪ عن عام 2022، مشيرة إلى أن اللاجئين الفلسطينيين من سوريا يعتبرون من أكثر المجتمعات ضعفا في الأردن. وكان برنامج الغذاء العالمي قد أعلن قبل أيام قليلة أنه “أُجبر” على تعليق المساعدات الغذائية لـ 100 ألف لاجئ سوري (16650 أسرة) يعيشون في المجتمعات المحلية اعتبارًا من شهر يوليو بسبب “نقص حاد في التمويل”. وكشف البرنامج في تقرير حديث أنه يواجه نقصًا في التمويل ضمن محفظة التغذية المدرسية، مما سيحد من قدرته على الوصول إلى الطلاب المعرضين للخطر في المجتمعات المحلية في المملكة. وأكد البرنامج أنه يحتاج إلى 1.3 مليون دولار للفصل الدراسي الأول (سبتمبر 2024 – يناير 2025) لمواصلة تقديم وجبات صحية وألواح التمر للطلاب المعرضين للخطر في المخيمات والمجتمعات. يأتي ذلك في وقت أشار فيه البرنامج إلى أن رصد نتائج الأمن الغذائي للربع الثاني من هذا العام خلص إلى أنه بعد عام من تقليص مساعدات البرنامج، التي بدأت في يوليو من العام الماضي، ارتفع انعدام الأمن الغذائي بشكل عام من 70٪ إلى 92٪ بين المستفيدين من المجتمعات المضيفة. وفي المخيمات، يعاني نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني 14% منهم من انعدام الأمن الغذائي الشديد، مقارنة بنسبة 0% في نفس الفترة من العام الماضي. ويلجأ اللاجئون في المجتمعات والمخيمات إلى استراتيجيات مواجهة ضارة لها عواقب طويلة الأجل، حيث تضاعف عدد الأطفال الذين ينقطعون عن الدراسة وزاد الزواج المبكر ستة أضعاف. وذكر التقرير أنه خلال شهر يونيو/حزيران، واصل برنامج الأغذية العالمي تقديم مساعدات غذائية شهرية لنحو 410 آلاف لاجئ معرض للخطر في المخيمات والمجتمعات المضيفة بقيمة تحويل مخفضة تبلغ 15 ديناراً (21 دولاراً) للشخص الواحد شهرياً. وكان البرنامج قد بدأ في خفض هذه المساعدة بدءاً من يوليو/تموز من العام الماضي، عندما خفضها من 23 ديناراً شهرياً (32 دولاراً) إلى 15 ديناراً. وأكد أنه اعتباراً من هذا الشهر، “بسبب النقص الشديد في التمويل، سيضطر البرنامج إلى تعليق مساعداته الغذائية لـ 100 ألف لاجئ سوري (16650 أسرة) يعيشون في المجتمعات المحلية”.
هل تتوافق الإجراءات الحكومية مع دراسات اللاجئين؟
– الدستور نيوز