ألدستور

عمان – في حين أصبحت سرعة انتشار المعلومات في عالمنا الحديث أسهل من أي وقت مضى، بما في ذلك المعلومات الدقيقة والموثوقة، تنتشر الشائعات الكاذبة والمضللة بنفس السرعة، مثل مقطع فيديو الشاحنات الأردنية المتجهة إلى الأراضي المحتلة، والتي أشيع البعض أنها متجهة للكيان الصهيوني، بينما أثبتت الحقائق أنها تحتوي على مساعدات للشعب الفلسطيني. وبحسب علم النفس، فإن الشائعات لديها القدرة على تشكيل الرأي العام والتأثير على معتقدات الناس وتصرفاتهم، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تضليل متلقيها والمهتمين بها، وهو ما يطرح سؤالاً مهماً حول كيفية مواجهة هذه الشائعات ودحضها، خاصة تلك الشائعات التي لديها القدرة على استغلال فضول الناس ورغبتهم في المعرفة، أو الاستثمار في أجواء معينة تشكل أرضاً خصبة لتلقيها. وفي هذا الصدد، توجهت “الدستور نيوز” إلى بعض الخبراء والمختصين لمعرفة الأسباب التي تدفع البعض إلى تصديق الشائعات والانجراف وراءها، عارضين حلولاً لطالما تم الحديث عنها في مواقف مختلفة. ويرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن أبرز الأسباب التي تدفع البعض إلى تصديق الشائعات وتداولها بسهولة هو سرعة انتشارها في الفضاء الإلكتروني، حيث تفتقر العديد من منصاته إلى الضوابط القانونية، خاصة إذا كانت تتناول حدثاً يهيمن على تفكير المجتمع واهتماماته. وأضاف الخزاعي أن ما يزيد الشائعة تفاقماً هو التأخر في إصدار الرد عليها ودحضها وإثبات عدم مصداقيتها، خاصة إذا كانت هذه الشائعات من مصدر غير معروف. وأوضح أن الأمر المهم الآخر هو محاولة زعزعة أمن واستقرار ووحدة أفراد المجتمع، والتحريض ضد المواقف الرسمية الناجحة التي اتخذتها الدولة والحكومة في دعم القضية الفلسطينية وإبرازها على الساحة الدولية. وأشار إلى أن انتشار مقاطع الفيديو أو الصور المدعومة بأحداث على الأرض، مثل فيديو الشاحنة الأخيرة، “يمكن أن يصدقها الناس، وخاصة الجهلة أو غير المتعلمين أو الأميين”. واعتبر أن الجانب النفسي للمتلقي له دور كبير في تصديق الشائعة أو نفيها، مؤكداً أنه لمواجهة مثل هذه الشائعات يجب العمل على سرعة الرد وإقناع المواطن بزيف هذه المقاطع أو المعلومات، وإقناعه بإجراء مقابلات مع السائقين مثلاً وإلى أين يتجهون وما مصادرهم ولمن سيسلمون هذه البضائع. وأكد الخزاعي أن مقاطع الفيديو التي تناولت أحداثاً مهمة مثل أحداث حرب غزة تنتشر عالمياً، و”للأسف يروج لها أشخاص قد يكون هدفهم الأساسي التأثير على المجتمع أو صرف انتباه المواطنين عن بعض القضايا التي تهمهم”. أما نقيب الصحافيين السابق الزميل طارق المومني فيقول “بلا شك الشائعات ظاهرة اجتماعية قديمة وآفة مرضية تهدد كيان المجتمع”. وأوضح المومني أن الشائعات موجودة في كل مكان وفي كل زمان وستبقى ما بقيت الحياة، فهي تلعب دوراً خطيراً في مختلف البيئات والمجتمعات وتؤثر على الأمن والاستقرار المجتمعي، خاصة في أوقات الأزمات، وأضاف: كلما زاد الغموض وإخفاء المعلومات الصحيحة، زاد حجم الشائعات وانتشارها، خاصة في ظل انتشار وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تعد أهم وسائل ترويجها، وأهم وسائل درء خطرها بالاستجابة السريعة والحاسمة لها. وقال المومني: “لعل أزمة الثقة بين الحكومات والشعوب تخلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات التي تظهر في ظل قلة تدفق المعلومات الصحيحة، والتي ترتكز على بعض القضايا التي صدرت فيها نفيات ثم سرعان ما ثبتت صحتها، لذلك كان النفي غير صحيح، مما يعزز أزمة الثقة التي تشكل موقفاً لدى الناس من صحة ما يتم تداوله، حتى لو كانت إشاعة غير صحيحة”. وأكد المومني أنه “من الضروري الاستمرار في التواصل مع وسائل الإعلام والانفتاح عليها وتقديم المعلومات الصحيحة وعدم التعتيم على وسائل الإعلام منذ اللحظة الأولى، وعدم ترك الناس للشائعات، بالإضافة إلى توعية المجتمع بشكل مستمر بخطورة الشائعات والحد منها، وكذلك اعتماد الحوار والتواصل في القضايا العامة”، مشيرا إلى أن المطلوب هو تعزيز ثقة الناس بأن الحكومات تعمل لمصلحتهم، وعليها أن توضح مواقفها بوضوح وشفافية وتقديم المعلومات الصحيحة بشكل دوري حتى تتمكن من إخماد الشائعات والأخبار الكاذبة، فكما أن الشائعات لها القدرة على الإضرار بالسمعة فهي أيضا وسيلة لتشويه العلاقات وزعزعة استقرار المجتمعات، لذلك يرى رئيس جمعية العلوم السياسية الأردنية الدكتور خالد الشنيقات أن “وسائل التواصل الاجتماعي” نوع جديد من الإعلام له جاذبيته الخاصة، خاصة بين الشباب وحتى من هم في منتصف العمر. وأضاف شنيكات أن هذا النوع من الوسائط الرقمية يوفر مقاطع فيديو وتعليقات لمن لديهم حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وهذه التعليقات تترك للمتابعين حرية التعليق والتعبير عن رأيهم أو انتقاد المحتوى، على عكس الوسائط التقليدية التي تصوغ الخبر وتضعه في قالبها دون أن يكون للمتابع دور في انتقاد هذا الخبر، بل يكتفي بتلقي الخبر دون التعليق. وأشار إلى أن الوسائط التقليدية تواجه تراجعاً في مواجهة النموذج الجديد، لأن الأخير ألغى دور صياغة الخبر والتعليق عليه. وأوضح شنيكات أن وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تسد الفجوة المعلوماتية، مما يعزز تأثيرها، حيث يمتلئ المحتوى بمقاطع فيديو أو أخبار أو تعليقات من أشخاص عاديين قد يساهمون لاحقاً في تشكيل النمط السائد للرأي العام وتشكيل الصورة وحتى تشكيل مواقف الناس. وشدد على ضرورة أن تقدم الحكومة ما هو مطلوب منها للشعب، من خلال تقديم معلومات واضحة وشفافة لمواجهة ثورة تدفق الأخبار، وخاصة الأخبار الكاذبة والمبنية على الشائعات، وبالإمكانات التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي للجميع دون استثناء. وشدد على ضرورة دراسة ثورة الإعلام الجديد بعناية وضبطها على أساس هذه الدراسات، وضرورة توضيح الحقائق وشرح المواقف وليس تبريرها، وأن تكون لغة الخطاب، خاصة في المؤسسات الرسمية، ذات بعد عقلاني مدعوم بالأدلة، ومقنعة بشكل خاص للمتابعين والمراقبين الذين يتصيدون الأخبار ويشكلون مواقف الأفراد حتى قبل صدور الرد الرسمي.
عندما يصبح طريق المعرفة مليئا بالشائعات.. كيف تنجو؟
– الدستور نيوز