.

العزلة… هل أصبحت خياراً مع استنزاف طاقة الفرد وتزايد مشاكله؟

العزلة… هل أصبحت خياراً مع استنزاف طاقة الفرد وتزايد مشاكله؟

دستور نيوز

عمّان – تشعر ليلى بالوحدة أكثر من أي وقت مضى، حتى أن وجودها مع أقرب الناس إليها لم يعد يخفف من شعورها بالعزلة. وضع ليلى يشبه وضع الكثيرين الذين ينأون بأنفسهم ويعزلون أنفسهم بقرار لحظي، ويلجأون إلى العزلة في لحظات التعب من كل شيء. في الماضي كانت ليلى تميل إلى الوحدة من وقت لآخر، بعيدًا عن صخب الحياة. لكن وضعها مختلف اليوم، حيث اختارت العزلة كخيار لقضاء وقتها في غرفتها بعيدًا عن الأهل والأصدقاء. تعتقد ليلى أن العزلة يمكن أن تكون في كثير من الأحيان الحل الأفضل للتعامل مع المواقف التي يتعرض لها الإنسان، خاصة تلك التي سببت له تجارب قاسية. ويتفق معها خالد خيري، فهو غالبًا ما يختار العزلة على الاختلاط بالناس، وهذا يجعله يشعر براحة وسعادة كبيرتين، خاصة عندما يشعر بضجيج العمل وزيادة الهموم والمشاكل. ويتابع خيري أنه يهرب حتى من أصوات أفكاره وتساؤلات من حوله عما حدث له أو ما يضايقه، فيكتفي بعزلته ووحدته، ويجد الراحة في هاتفه الذكي ليظل على تواصل مع العالم الخارجي. ويختلف اللجوء إلى العزلة من شخص لآخر، فالبعض يلجأ إليها رغبة في منح نفسه بعض الوقت للراحة والتفكير والتخلص من الهموم التي استنزفت قوته وروحه في الوقت نفسه، بينما تأتي العزلة عند البعض لتكون ملجأ من متاعب من حوله واعتمادا على نفسه. إلا أن أحمد سالم الذي يتحمل مسؤوليات الآخرين ويحاول دائما حل مشاكلهم، بدأ يشعر بنقل طاقتهم السلبية إليه، وفي كل مرة يجد نفسه منشغلا بما يحدث لهم دون قصد، مما جعله يبحث عن مسافة آمنة ولحظات صمت ليعود إلى نفسه ويفكر فيما يهمه بعيدا عن مشاكل الآخرين. ويبقى السؤال: هل العزلة قرار واختيار؟ أم أن الحياة المليئة بالهموم والمشاكل وضغوط العمل جعلت الكثير من الناس انطوائيين يميلون إلى العزلة؟ من جانبه يشير الدكتور موسى مطرنة، أخصائي علم النفس، إلى أن العزلة مشكلة لها وجهان: عزلة إيجابية تقوم على إعادة اكتشاف الذات وتقييمها، وقد تكون لمدة ساعة يومياً أو مرة أسبوعياً بالجلوس بهدوء، أما العزلة المرضية فتأتي من عدم القدرة على مواجهة الآخرين وعدم الرغبة في التفاعل الاجتماعي، وتعززها الجوانب التربوية والتطورات التكنولوجية والتغيرات في التنشئة الاجتماعية والتعليمية وتعلق الكثير من الناس بمواقع التواصل الاجتماعي، مما يجعلهم يفضلون العزلة والجلوس بمفردهم لفترات طويلة، وهو ما قد يسبب نوعاً من الرهاب الاجتماعي مع مرور الوقت. ويرجع مطرنة الابتعاد عن التفاعل الاجتماعي وأسلوب الحياة اليومي إلى الثورة التكنولوجية التي حدثت في المجتمع والتغيرات التي أحدثتها، بالإضافة إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها الناس، والظروف الاقتصادية السيئة التي خلقت حالة من الانشغال بالعمل والتفكير في توفير متطلبات الحياة. ويشير مطرانا إلى أن الظروف المعيشية الصعبة جعلت الكثير من الناس غير قادرين على إيجاد الوقت للجلوس مع الآخرين أو حتى الرغبة بذلك بسبب الجوانب النفسية والتعامل مع الواجبات والمناسبات الاجتماعية وربما الاكتفاء برسائل البريد الإلكتروني أو مكالمة هاتفية، وبحسب مطرانا فإن هذه الأسباب جعلت الجانب المادي يهيمن على الجانب العاطفي، فالمجتمع اليوم يعيش تحت وطأة القيمة المادية وليس العاطفية أو الإنسانية، مما أثر عليه وأصبحت الحياة مصالح ومنافع متبادلة، وفي أحيان أخرى يقول مطرانا إن التغير الاجتماعي السريع خلق العديد من المشاكل النفسية وحالة من عدم الاستقرار النفسي والإحباط ونقص القوة والقدرة على مواجهة المشاكل والأزمات والتعامل معها على أساس القدرات والمرونة والتكيف وتطوير الذات مما ينتج عنه الأزمات ويسبب حالة من العزلة. وبحسب مطرانة فإن هذه الإسقاطات تؤدي في النهاية إلى دخول الإنسان في حالة من الاكتئاب لأنه لا يستطيع القيام بواجباته الاجتماعية ولا يشعر بالسعادة في حياته وما يوفر له متطلبات حياته وقدرته على استيعاب التغيرات وعدم تطوير نفسه ليفهم أن الإنسان لديه أفكار جديدة وأنه قد يحدث تغيير في حياته وأن الإحباطات في الحياة تولد الأزمات وهذه الأزمات في العمل تعطيه دروساً يمكن أن يستفيد منها. وتتفاقم الوحدة والعزلة لدى البعض بحسب مطرانة بسبب عدم اللجوء إلى المتخصصين النفسيين ذوي الخبرة الكافية في هذا المجال لتقديم التوجيه والمشورة اللازمة. كل هذه الأسباب اجتمعت لتتسبب في حالة من الإحباط الاجتماعي تصيب شريحة كبيرة من الناس في كل الأعمار. فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بمفرده بحسب عالمة الاجتماع الدكتورة فادية إبراهيم. ولكي يبقى ويتطور على المستوى الاجتماعي والعقلي فهو يحتاج إلى الآخرين لتكوين علاقات معهم والتواصل والتفاعل معهم. لكن في بعض الأحيان يفضل الإنسان الابتعاد، وهي الحالة التي يفتقد فيها الإنسان الشعور بالانتماء الاجتماعي، ويميل إلى البقاء وحيداً، وتجنب الآخرين، ولا يرغب في التواصل معهم وتكوين علاقات، ويفضل إنجاز مهام حياته اليومية بمفرده دون طلب المساعدة ممن حوله، بحسب إبراهيم. وقد تكون الأسباب التي تدفع الإنسان إلى العزلة كثيرة، وطريقة التنشئة، بحسب إبراهيم، تؤثر على شخصية الأبناء ونمط حياتهم وتفاعلهم الاجتماعي، فعندما يكبر الإنسان في بيئة مغلقة وغير اجتماعية، فإنه يعتاد على العزلة منذ الصغر. من ناحية أخرى، يوضح إبراهيم أن هناك أسباباً تتعلق بالعمل، مثل الوظائف والأعمال التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد، ولا تترك مساحة كبيرة لأصحابها للتفاعل مع الآخرين. ويعتبر إبراهيم وسائل التواصل الاجتماعي سبباً في الميل إلى العزلة والوحدة، حيث يميل كثير من الناس اليوم إلى عزل أنفسهم عن الآخرين، ويفضلون قضاء وقتهم في التصفح والتواصل مع أشخاص افتراضيين لا يعرفونهم، بدلاً من التواصل في الحياة الواقعية مع من حولهم، مثل الأقارب والأصدقاء. ويقول إبراهيم: “العمر أيضاً سبب من أسباب الوحدة والعزلة، فكلما تقدمنا ​​في العمر تقل صداقاتنا وتواصلنا الاجتماعي، ونميل إلى الجلوس مع أنفسنا”، ويتابع إبراهيم، وقد تكون هناك أيضاً ظروف طارئة تدفعنا إلى الابتعاد عن الناس، مثل فقدان شخص عزيز، أو الرسوب في الدراسة، أو الطرد من العمل، أو الصدمة المفاجئة، أو الطلاق والانفصال عن الشريك، أو الإفلاس، أو غيرها من الظروف التي تؤثر على نفسيتنا ومظهرنا الاجتماعي، فتضطرنا إلى الابتعاد.

العزلة… هل أصبحت خياراً مع استنزاف طاقة الفرد وتزايد مشاكله؟

– الدستور نيوز

.