.

معادلة تحقيق الرضا والضغط النفسي داخل…

معادلة تحقيق الرضا والضغط النفسي داخل…

دستور نيوز

عمان – يعرف علماء النفس شخصية “المنقذ” بأنها الشخصية التي تشعر بالحاجة إلى مساعدة الآخرين وإنقاذهم من المواقف والمشاكل الصعبة، وتظهر هذه الشخصية في العديد من السياقات سواء في العمل أو في الحياة اليومية، وتترك آثاراً نفسية متفاوتة على الفرد الذي يتبناها. هذا النوع من الشخصية يؤثر بشكل كبير على الفرد الذي يتبناها، كما يشير الطبيب النفسي الدكتور موسى مطارنة، الذي يرى أن شخصية المنقذ غالباً ما تتميز بروح العطاء والإيثار، وهذا يمكن أن يكون له آثار إيجابية على الفرد، فعندما يشعر الإنسان أنه قادر على مساعدة الآخرين، فإن ذلك يعزز من شعوره بقيمته الذاتية وثقته بنفسه، كما تساعد هذه المشاعر في تحقيق الرضا الشخصي وتحسين المزاج. إلا أن مطارنة يوضح أن الالتزام الدائم بمساعدة الآخرين قد يؤدي إلى آثار سلبية إلى حد ما، فقد يشعر الإنسان بالضغط والتوتر النفسي نتيجة توقعات الآخرين الدائمة واعتمادهم عليه، كما قد يشعر بالإرهاق العاطفي إذا لم يتلق الدعم والتقدير اللازمين من البيئة المحيطة به. وفي بعض الحالات قد يؤدي هذا الضغط المستمر إلى الإرهاق النفسي والاكتئاب. وعن أسباب اكتساب شخصية المنقذ وتبني هذا النوع توضح المستشارة النفسية رائدة الكيلاني أن التربية والتعليم تلعب دوراً أساسياً، فقد يكون للإنسان تجارب سابقة في حياته أثرت على نموه النفسي، مثل تحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، أو النشأة في بيئة تشجع على مساعدة الآخرين والتضحية من أجلهم. وفي البيئة الأسرية قد يشعر الأبناء والبنات الذين ينشأون في بيئات أسرية مضطربة، حيث يشهدون خلافات أو مشاكل مستمرة بين الوالدين، أن لهم دوراً في تهدئة الوضع وتحسين العلاقات. وترى الكيلاني أن الاعتماد العاطفي لبعض الآباء على أبنائهم قد يجعل هؤلاء الأبناء يلعبون دور المساعد أو المنقذ لتخفيف الضغوط النفسية على والديهم. كما أن بعض الثقافات أو البيئات قد تتوقع من الأبناء تحمل مسؤوليات تفوق سنهم، مما يعزز لديهم الشعور المبكر بالمسؤولية تجاه الآخرين. وتوضح الكيلاني أن بعض الأشخاص يتبنون هذه الشخصية بسبب حبهم الزائد للمساعدة، حيث يجدون أن هذه الشخصية تساعدهم على اكتساب القبول والحب من الآخرين من خلال تقديم المساعدة والدعم المستمر. ويشعر آخرون بالمسؤولية المفرطة نتيجة رؤية أحد الوالدين يعاني، أو بسبب تجارب سابقة جعلتهم يعتقدون أنهم مضطرون للتدخل لإنقاذ اليوم. وتتفق الكيلاني ومطرانة على أن هذه الشخصية يمكن أن تنقذ نفسها من الضغط النفسي الذي تشعر به باستمرار من خلال الوعي بالمشكلة، وهي الخطوة الأولى للتخلص من عبء هذه الشخصية. وقد يجعل تعرض الشخص لتجارب حياتية صعبة أكثر تعاطفًا مع الآخرين وأكثر استعدادًا لمساعدتهم لتجنب معاناتهم. وتنصح الكيلاني بتعلم كيفية وضع حدود صحية مع الآخرين، والاعتراف بأن المرء ليس مسؤولاً عن حل جميع المشاكل. كما تؤكد على أهمية العناية بالذات من خلال تخصيص وقت للقيام بأنشطة تجلب السعادة والراحة للفرد. بالإضافة إلى ذلك، يعد التواصل المفتوح والحوار المفتوح حول المشاعر والاحتياجات مع العائلة والأصدقاء أمرًا ضروريًا. ويؤكد مطرانة والكيلاني أن بعض الناس يتبنون شخصية المنقذ من أجل الحصول على التقدير والاعتراف من المجتمع، حيث يشعرون بأنهم يصبحون أكثر قبولاً واحتراماً عندما يقدمون المساعدة. بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن مساعدة الآخرين تضيف هدفاً ومعنى لحياتهم، مما يساهم في تعزيز شعورهم بتحقيق الذات والرضا عن الذات. ومع ذلك، يؤكدان أن هذا النمط السلوكي قد يكون موجوداً ولكنه ليس بالضرورة مفيداً دائماً. والخطوة الأهم هي ممارسة الرفض الدبلوماسي، مما يساعد على الحفاظ على التوازن بين مساعدة الآخرين والاهتمام بالذات. وتطوير استراتيجيات جديدة للتعامل مع الضغوط والتخلص من العبء النفسي وتحقيق التوازن الصحي في الحياة. ويؤكد عالم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن مجتمع اليوم يشهد ظاهرة متزايدة من الأطفال الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تحمل مسؤولية تحسين الحياة وحل المشاكل بين والديهم. وهذه الظاهرة التي تتزايد بشكل كبير تفرض عبئاً نفسياً كبيراً على هؤلاء الأطفال وتترك آثاراً عميقة على شخصياتهم وحياتهم. ويشير إلى أن العديد من الأسر تجد الأطفال أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، حيث يطلب منهم تحمل أعباء تفوق أعمارهم وقدراتهم النفسية، وقد تبدأ هذه المسؤولية في وقت مبكر من الحياة، حيث يتوجب على الأطفال تقديم الدعم العاطفي لأحد الوالدين أو كليهما في مواجهة المشاكل الزوجية، ونتيجة لهذه الضغوط، يتطور لدى هؤلاء الأطفال نوع معين من الشخصية يُعرف بشخصية المنقذ، حيث يميل هؤلاء الأشخاص إلى الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويحاولون باستمرار حل المشكلات ومساعدة من حولهم، حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم النفسية والجسدية. ويؤكد خزاعي وعلماء النفس مطرنة أن تحمل هذه المسؤولية المبكرة والضغط المستمر له آثار نفسية كبيرة، حيث يشعر الأطفال بالقلق والتوتر المستمر، مما يؤثر على قدرتهم على الاستمتاع بحياتهم الشخصية، ويعاني الكثير منهم من اضطرابات القلق والاكتئاب، وقد يجدون صعوبة في إقامة علاقات صحية بسبب اعتمادهم المفرط على دورهم كمنقذين. وأخيراً، يتحمل الجميع مسؤوليات تجاه أنفسهم والآخرين، ولكن من المهم اتباع نصائح المتخصصين بأن أي شيء زائد ينقلب عليهم. ومن المهم أن يعيش الأطفال طفولتهم بعيداً عن الضغوط النفسية التي قد تؤثر على نموهم وتطورهم، فإحراز هذا التوازن من شأنه أن يساعد في خلق جيل قادر على مواجهة تحديات الحياة بثقة وصحة نفسية.

معادلة تحقيق الرضا والضغط النفسي داخل…

– الدستور نيوز

.