دستور نيوز

عمان – من يستمع أو يشاهد خطاب الفنانة الكوميدية الفلسطينية الأميركية ميسون زايد، لا يمكنه إلا أن يستخدم كل حواسه في الإصغاء بعناية ليقارن اللهجة العربية الفلاحية الريفية مع الإنجليزية الأميركية، لكي لا تضيع لحظة من “عضه” الفكاهة”، ومن دون الالتفات أيضاً إلى لباس رام الله. التقليدي الذي تحرص على ارتدائه في عروضها الكوميدية “ستاند أب كوميدي” التي تقدمها منذ نحو 20 عاماً، حتى أن ميسون، المرأة ذات الجذور والعواطف الفلسطينية، والأمريكية بالولادة، وهي محترفة في الكوميديا ولديها إعاقة، تصبح هويتها الاستثنائية للعبور إلى العالم، كامرأة مدافعة شجاعة عن الحق الفلسطيني. وهي مناصرة للأشخاص ذوي الإعاقة، و”قوية” مثل نساء بلدتها دير دبوان، بحسب ما تقول. إضافة إلى إعلان زايد التي أجرت «الدستور نيوز» حواراً معها خلال زيارتها الأخيرة إلى عمّان، بعد تقديم عرض جديد لها، فإنها لا تتردد في التأكيد على أن حلمها الأول كان دخول عالم التمثيل، حيث اعتلت المسرح في إحدى المدارس لتعليم الرقص المعاصر، كبديل في ذلك الوقت الذي لجأ إليه والداها. عن العلاج الطبيعي الباهظ الثمن، لمواجهة الشلل الدماغي الذي ولدت به، في رحلة إصرار ومثابرة للتعلم، فتحت أمامها آفاقاً عدة، ومحطات لم تفوتها، “سردية الأسرة الفلسطينية بأبنائها الإلهام والمأساة”، مما يؤدي إلى مسارات أكثر وضوحًا في بناء “روايتها الخاصة”. بدأت زايد رحلتها منذ تخرجها من الجامعة في سن الحادية عشرة، عندما لم تكن قد حددت بعد هويتها السردية بشكل كامل، ودفعتها الرغبة إلى دخول هذا العالم، متحدية إعاقتها بجدارة، لتبدأ في تقديم عروضها منذ عام عام 2000، فكانت هويتها كفلسطينية وشخصية من ذوي الإعاقة هي المرحلة الأولى في بناء روايتها الخاصة. وتقول: “صعدت على المسرح في الخامسة من عمري، لأن عائلتي لم تكن قادرة على الإنفاق على علاجي الطبيعي، فتمكنوا من تسجيلي في دروس الرقص، حيث كان الدرس يكلف 5 دولارات، في حين أن العلاج الطبيعي كان يكلف 25 دولاراً. ومنذ ذلك الحين، لدي ارتباط بالمسرح ولا أخشى الجمهور، ولدي موهبة ولدت على المسرح”. ولا تخشى زايد من وصف عالم هوليود بأنه مناهض للمرأة ومعادي للفلسطينيين، لكنها بإصرارها ومشاركتها في الأعمال التمثيلية كسرت حاجز الصمت في وجه مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في هذا العالم، حتى أصبحت شاركت في تأسيس أول مهرجان للكوميديا العربية الأمريكية في نيويورك، مع شريكها الممثل العربي الأمريكي دين عبد الله. وفي خضم رحلة استكشاف السرد الكامل في كوميدياها اللاذعة، قالت: «ما حدث لي بالضبط هو أن حلمي كان التمثيل، وأمريكا لا تسمح لأي شخص من ذوي الإعاقة الجسدية أن يمارسه، أو يقف فيه». أمام الكاميرات، وأعتقد أنني أنا من غيرت هذه الصورة، وجعلت هوليود تخجل من نفسها”. وفي لحظة إفصاح عن نفسها، أوضحت أن لحظة رفعها للميكروفون على المسرح أعطتها دافعاً أكبر لسرد قصة العائلة الفلسطينية. وتقول: “عندما صعدت إلى المسرح وأمسكت بالميكروفون، حينها فهمت أنه بإمكاني التحدث عن القضية الفلسطينية والإعاقة، وفضح أي شخص قد يحاول التحرش بي. ومنذ ذلك الحين، أصبح التمثيل ورائي، لأن صوتي أصبح أقوى.” وتضيف أن قضيتين أساسيتين جسدتا رويتي في بناء عروضي: حياة الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم، وخاصة الأطفال الفلسطينيين، والحق الفلسطيني التاريخي. لتصبح هذه الرواية أشبه بتاريخ شفهي للقصة الفلسطينية، وتقول: «منذ أول عمل لي في الكوميديا، عرفت أنني أريد أن أروي قصص فلسطين، لكن الأمر لم يزعجني كثيراً حتى الشهر الأول من العام». “عام 2009، عندما قصف الاحتلال الإسرائيلي مركزًا للأشخاص ذوي الإعاقة في غزة، ورأيت الدمار والقتل وصور الكراسي المتحركة المكسورة، فجلست مع نفسي”. فقلت: كيف أستمر في الكوميديا بهذه المشاهد؟ من هنا بدأ زايد يجمع بين الكوميديا وقصص الطفل الفلسطيني والإنسان الفلسطيني، بشكل يجمع بين الضحك والأسى، والفكاهة المرّة، والفكاهة المؤلمة «ذهبت لأقتل زوجاً لم يكن في غزة، لأنه هناك لا مجال لهم للتهجير… وعندما ذكرت هذه القصص بهذه الطريقة، أردت أن أنقل للجمهور والعالم أن الذين يقصفهم الاحتلال لا مفر لهم، وخاصة ذوي الإعاقة». وأشارت إلى أنها دأبت على استخدام هذه الروايات قبل الحرب على غزة، مستلهمة قصة “سيدها وأختها وأمها وأبيها”، لكن في ظل مجازر الاحتلال في فلسطين اليوم، يتبين حجم الانتهاك. أصبح الألم في القصص المروية أكثر حدة، خاصة عندما تتحدث مع الأميركيين، فهي لا تتردد في القول إنها تتحدث إليهم بقسوة كوميدية أكبر، حتى لو كان ما ترويه أشبه بـ«كف في الوجه». من الجمهور”، مضيفًا: “على مدى عشرين عامًا، أعرف كيف أجعل الجمهور يضحك وكيف أبكيهم، أعرف كيف أعلم، وكيف أضحك، هذا جزء مني”. وتعلق: “هذا هو الوضع في فلسطين”، وتتساءل “من لديه إعاقة جسدية مثلي كيف يمكن أن يهجّر (يهرب)؟”، مؤكدة أن معظم تركيزها اليوم ينصب على معاناة الأطفال، الأطراف المفقودة، والجرحى هناك في غزة الذين فقدوا عائلاتهم، دافعت زايد عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة منذ وعيها المبكر، لكنها تفاجأت عام 2014، عندما قدمت عرضا على منصة TED TALK، بهذا المبلغ. من الرسائل التي غمرتها، من «أطفال وبالغين من ذوي الإعاقة، تحدثوا عن إساءة آبائهم إليهم، وقلة الأصدقاء في حياتهم المدرسية». وتعرضهم للتنمر شعرت بمدى ثقل الحياة علينا، وأصبحت أكثر وعياً بمعاناة الأشخاص ذوي الإعاقة. لا يوجد مكان في العالم لا يعانون فيه رعاية صحية كافية، ولا يذهبون إلى المدرسة، وتفاجأت لأن أمي وأبي وأعمارهما يعاملونني بطريقة مختلفة عن أخواتي الثلاث، أو أنهم يجعلونني أشعر أنني عبء عليهم، أو أنهم يضربونني. ” وأشاد زايد بجهود الأردن الحالية في رعاية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، معتبرا أن استضافة القمة العالمية للإعاقة في عمان العام المقبل سيضيف لهم الكثير، فهم يشكلون اليوم “كتلة” حاسمة في العالم العربي بسبب الأزمات. وأضافت: «جزء من وظيفتي هو تهدئة الناس. يمكن لأي شخص أن يصبح معاقًا جسديًا في أي لحظة. ولهذا أحب أن أضحك الناس، وأحياناً أمزح معهم بالقول: “يمكنك أن تصبح مثلي في ثواني”. وشدد على ضرورة تعليم الأطفال ذوي الإعاقة، حتى لو كانت فرص استفادتهم معدومة. مستشهدة بقصتها التي قال فيها بعض الناس لوالدها إنه لا فائدة من التحاقها بالمدرسة، لأنها لن “تمشي”، و”أنا دائما أروي قصة والدي حتى أتمكن من تشجيعهم”. زايد حملت على عاتقها خلال عروضها مسؤولية «إضحاك الجمهور والتعبير عما يحدث في فلسطين»، وتقول: «قد يقول أحدهم إن هذا ليس وقت الضحك، لكنني قررت أن أجمع بين الكوميديا والقصص القريبة قلبي، وكيف أخبر الناس أن هناك عائلات بأكملها قد تم القضاء عليها”. في فلسطين”، مؤكدة أنها ستستمر في سرد حكاياتها وقصص عائلتها والعائلات الفلسطينية “حتى أثبت أننا كنا هنا، وما زلنا هنا، وسنبقى هنا”، مشبّهة بدمجها الضحك في القصص. من الشعب الفلسطيني مع رشات من “السماق”.
وتبني زايد روايتها اللاذعة من خلال إضحاك الجمهور و”الحديث عن الحق الفلسطيني…
– الدستور نيوز