دستور نيوز

عمان – العزلة هي فترة راحة من صخب الحياة، ومحطة لإعادة شحن طاقاتنا. وغالباً ما يمنحنا الفرصة لاختيار وجهة جديدة نسعى من خلالها لتقديم أفضل ما لدينا. إضافة إعلان اللجوء إلى العزلة يعني مساحة للتفكير والتأمل بعمق في كل القرارات التي اتخذناها، ولنجمع أوراقنا، ونقيم طريقنا. وفي تحديد الاتجاه الصحيح الذي نريد أن نسير فيه، لضمان خطوات واضحة ونتائج مرضية قدر الإمكان. وهي المنطقة الآمنة التي ندخلها باختيارنا حتى نتمكن من رؤية الأشياء من زوايا مختلفة. عندما نحترم عزلة الآخر ولحظات العزلة، سنتقبل حتماً حقيقة أنه لا يوجد أحد متاح طوال الوقت وأننا جميعاً بحاجة إلى أن نكون بمفردنا ونتحدث معها لنفهم ما نريده بالضبط. العزل ليس قرارًا بتغيير الشخص الذي نحبه، هذا ما توضحه ريهام صالح، وترى أن من حق كل إنسان أن يأخذ وقته من العزلة، وفي المقابل لا يحق لأحد أن يلومه أو يتهمه يتغير عليه فقط لأنه يريد أن يكون مع نفسه، ولو لفترة قصيرة. يقول؛ «نمر بظروف كثيرة تجبرنا على التوقف عن الأحاديث اليومية، والتواجد في حياة الآخرين، ومشاركة تفاصيلنا معهم»، لافتاً إلى أننا كثيراً ما نختار العزلة للتفكير في كل ما يحدث لنا، تحديد أولوياتنا، وربما أيضًا أخذ قسط من الراحة من ضجيج الناس، وأسئلتهم الفضولية، وانتهاكهم للخصوصية. تجد ريهام في العزلة منطقة آمنة تلجأ إليها كلما أرادت استعادة قوتها وتحقيق المزيد من النجاح والتصالح مع الواقع. ولذلك فهي تحترم وتتفهم عزلة الآخرين. أما غدير (31 عاماً) فتجد صعوبة في اللجوء إلى العزلة. كأم وزوجة، ليس لديها خيار قضاء بعض الوقت مع نفسها. المسؤولية كبيرة، وهذا ما يشغلها طوال الوقت. وتعترف بأن الضغوط بدأت تتعبها لدرجة أنها حولتها إلى شخص عصبي للغاية. تدرك غدير أن الحياة لن تسير كما تريد وأن التكيف مع تقلباتها يتطلب الكثير من الصبر، لكنها تقدر أيضًا مدى الحاجة إلى العزلة واحترام تلك المساحة. العزلة كخيار ترفع مستوى صراح الإنسان مع نفسه وتبقيه ضمن حدود التوازن. وهناك أنواع من العزلة، بحسب الطبيب النفسي الدكتور موسى مطرنة. هناك عزلة مرضية وعزلة طوعية، ولكل منهما أسبابه، ولكن العزلة التي يحتاجها كل إنسان هي العزلة الإيجابية. يلجأ إليه بين الحين والآخر للتأمل والتفكير والتخفيف من متاعب الحياة. وهذا النوع من العزلة ضروري، كما يوضح مطرنا، لأنه يعيد الإنسان إلى نفسه ويمنحه المساحة. ليكون أكثر وضوحا بشأن ما يحتاج إليه. ويشير إلى قيمة العزلة في جانبها الإيجابي، والتي تتيح لنا الهدوء النفسي والابتعاد عن الضوضاء لأنها تشتت التفكير. العزلة الإيجابية يقصد بها عزلة مفيدة، خاصة عند مراجعة قراراتنا الحياتية، عند التوقف وأخذ الأنفاس، والتفكير في الأخطاء التي ارتكبناها وتلك القرارات الصحيحة، بالإضافة إلى أن العزلة تسمح… فهي تسمح لنا بإعادة ترتيب أولوياتنا ويوضح لنا الصورة الكاملة لما ينقصنا وما نحتاج إليه، وكأنه يشحن النفس والروح بمزيد من الحماس والاندفاع نحو السعادة والتكامل الصحيح. وبحسب الأساقفة؛ تأتي الحاجة إلى العزلة من حقيقة أنها تسمح للعقل بالبقاء هادئًا وهادئًا ومركزًا. نحتاج من وقت لآخر إلى عزلة انتقائية اختيارية لشحن أنفسنا بالطاقة والتأكد من أننا نسير على الطريق الصحيح. لذلك يحق لكل إنسان أن يلجأ إلى العزلة كلما شعر بذلك، ويجب على الجميع أيضًا احترام هذا القرار وقبوله دون اعتراض أو اتهامات لا معنى لها. وتوضح مدربة المهارات الحياتية نور الأميري أن العزلة هي حالة يعيشها الأفراد عندما يجدون أنفسهم وحيدين دون حضور أو تفاعل مع الآخرين لفترات طويلة. يمكن أن تكون العزلة نتيجة لظروف خارجية مثل الانتقال إلى مكان جديد أو الانفصال عن الشركة، أو قد تكون اختيارياً عندما يبحث الفرد عن الهدوء والعزلة للتفكير أو الاسترخاء. ويختلف تأثير العزلة من شخص لآخر، بحسب العامري، إذ قد يؤدي إلى التمتع بالهدوء والتأمل، أو إلى الشعور بالوحدة والاكتئاب. من المهم أن يكون هناك توازن بين الوقت الذي نقضيه بمفردنا والتفاعل الاجتماعي لضمان صحة نفسية وعاطفية جيدة، فنحن نحتاج إلى العزلة في كثير من الأوقات والظروف. وتضيف، نحتاج إلى العزلة بعد فترات طويلة من التواصل الاجتماعي المكثف والمشاركة الاجتماعية المكثفة، مثل الاجتماعات الطويلة أو المناسبات الاجتماعية. وأيضاً عندما نحتاج إلى التفكير والتأمل، عند اتخاذ قرارات مهمة أو معالجة مشاعرنا وأفكارنا بشكل أعمق، عند الشعور بالإرهاق العاطفي أو النفسي، وعند البحث عن الهدوء والسكينة. في بعض الأحيان، نحتاج إلى العزلة للهروب من صخب الحياة اليومية والبحث عن السلام والهدوء، عند العمل على مشاريع شخصية أو إبداعية مثل الكتابة أو الرسم، أو لتطوير مهاراتنا في مجال معين. وبحسب العامري، فإن للعزلة العديد من المزايا، منها التأمل والتفكير في الأمور والمشاكل الشخصية والمهنية دون تشتيت الانتباه، ومن خلال تعزيز الإبداع وزيادة مستويات الإنتاجية، حيث يستطيع الفرد التركيز بشكل أفضل على المهام دون الانشغال بالتفاعلات الاجتماعية. بالإضافة إلى الاسترخاء والتجديد. توفر العزلة فرصة للراحة وإعادة شحن الطاقة وتجديد النشاط. يمكن أن تساعد فترات العزلة في التفكير بعمق أكبر في الذات والتطلع إلى النمو والتطور الشخصي، وكذلك في تقليل الضغط النفسي والاستجابة لاحتياجات الفرد دون تدخل خارجي. لكن الاستسلام للعزلة بشكل مفرط ودائم قد يكون ضارا بالصحة النفسية والعاطفية، بحسب العامري. إذا أصبح الفرد معزولاً بشكل دائم عن العالم الخارجي دون التواصل مع الآخرين، فإنه قد يواجه تأثيرات سلبية مثل الوحدة، والاكتئاب، ونقص الدعم الاجتماعي، وتدهور العلاقات الإنسانية. يلعب التواصل الاجتماعي الصحيح والمتوازن دوراً مهماً في صحة الإنسان، إذ يساهم في خفض مستويات التوتر والقلق، وزيادة الدعم العاطفي والمعنوي. على الرغم من فوائد العزلة في بعض الأحيان، إلا أنها لا ينبغي أن تكون حالة دائمة. بل يجب أن يكون هناك توازن بين العزلة والتواصل الاجتماعي لضمان الصحة النفسية والعاطفية.
العزلة كملاذ آمن.. كيف نحترم خصوصية الآخرين؟…
– الدستور نيوز