.

“لماذا ذهبت وتركتني؟” أطفال غزة يختبرون مرارة اليتم مبكراً..

الفن و الفنانين25 ديسمبر 2023
“لماذا ذهبت وتركتني؟”  أطفال غزة يختبرون مرارة اليتم مبكراً..

دستور نيوز

عمان – “لماذا رحلت يا أبي؟” بهذه الكلمات اختصرت فتاة غزية مرارة الألم، وهي تصرخ وهو يرقد أمامها شهيداً: «تعرف يا أبي كم أحبك. لا تتركني وحدي وتذهب.” أضف إعلانا. في هذه اللحظة فقدت كل شيء، العناق والأمان. كانت لديها بعض الأحلام الصغيرة التي كانت تنتظر تحقيقها مع عائلتها، لكن تلك الأحلام قصفت، وتحطمت الذكريات، وأصبحت وحيدة بلا مأوى. كل يوم يتجدد في غزة مشهد مؤلم في تفاصيله، عندما يبحث ذلك الطفل الصغير عن حضن أحد والديه، وهو وسط الركام، ربما يستشعر بعض الأمان المفقود. ويطلب من المحيطين به سرعة البحث، إذ أن والديه يرقدان تحت الأنقاض. هذا الألم لا يقل عن ألم آخر وهو يبحث في أروقة المستشفى عن شخص يشبه وجه أبيه، أو عيون أمه التي كانت تقول له دائما “سنكون بخير”، ووسط كل ذلك يحتضنه. ويحاول إخوته الباقون طمأنتهم والتخفيف من ارتعاشة أجسادهم الصغيرة. إنه نفس الطفل الصغير الذي لا ينظر إلى الدم الذي غطى جسده الصغير. بل كل ما يدور في قلبه وعقله هو البحث عن أحد والديه. إن فقدان أحدهم هو ألم حقيقي لا يستطيع تحمله لبقية حياته. «ربما ليست أمي، وربما أخرى.. هي والله هي. أعرفها من شعرها.. لماذا أخذتها مني؟ يا رب خذني معها. يا رب لا أستطيع العيش بدونها.” بهذه الكلمات وثّقت الطفلة الغزية تالين بصوتها المكبوت وبكائها الهستيري ما يحدث حولها، وكأنها تفعل ذلك تروي مأساتها ومأساة كل طفل هناك عاش اليتم والفقد. بكلماتها المحملة بالألم، أخبرت العالم أنها أصبحت يتيمة. وكان الجميع من حولها يبحثون عن كلمات لتواسيها رغم عجزهم. جلبت الحرب الدموية على غزة، التي بدأت في 7 أكتوبر، العديد من المآسي والأحزان لشعب قطاع غزة نتيجة استهداف العدو الصهيوني لكل بقعة من تلك الأرض. الحياة في غزة أصبحت أمنية وسط الدمار والتشريد والخسارة التي يعيشونها، والحزن يثقل كاهل الأطفال والكبار. تحت أنقاض الحرب والقصف، يدفع الأطفال ثمناً باهظاً، إذ تنتهك براءتهم بشكل واضح، ويُتركون أيتاماً ومشردين. سرقت البسمة وتشوهت الذكريات ولم يبق منها إلا الألم والحسرة. لقد سلبتهم الحرب بضراوتها كل شيء، حتى دفء العائلة ومودة الوالدين. يعاني الأيتام في غزة من ألم مضاعف نتيجة فقدان أحد والديهم أو كليهما. ومع كل قذيفة تستهدف منازلهم وأحيائهم تتزايد مآسيهم. مشاهد يومية حزينة تعكس مدى اليتم والحرمان الذي يعيشه أطفال غزة الذين يحملون آلاماً أكبر منها، لكنهم رغم ذلك يحاولون أن يظلوا صامدين، أقوياء في إيمانهم، يغطون جراحهم بالصبر ويضمدونها حتى آلام الآخرين. في كل يوم في غزة، يفقد عدد كبير من الأطفال والديهم وأقاربهم وعائلاتهم بأكملها، إذا لم يكونوا هم أنفسهم ضحايا. وهناك صور كثيرة لأطفال نازحين ومجهولين. لا يعرفون أحداً ولا أحد يعرفهم. لقد فقدوا وطنهم وحضنهم الآمن. واليوم، تيتم آلاف الأطفال في غزة، تاركين جرحا نازفا في ضمير الإنسانية. يعيشون الحرمان والخسارة والخوف، لكن أحلامهم الصغيرة، رغم الألم، تصر على البقاء مفعمة بالأمل لإيمانهم بأنهم يستحقون الحياة. وكانت منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة أشارت إلى أن مليون طفل في غزة يواجهون مصيرا مجهولا، خاصة أولئك الذين يعانون من حروق مروعة وجروح ناجمة عن القذائف وبتر أطراف، في ظل عدم توفر مستشفيات كافية لعلاجهم وانقطاع الإمدادات الصحية. بالنسبة لهم. حذرت منظمات حقوقية من آثار الحرب في غزة على أطفال القطاع الذين يشكلون نحو نصف سكان القطاع، والذين لم يختبر معظمهم الحياة إلا في ظل الحصار والحروب المتكررة. ورغم صعوبة تحديد عدد الأطفال الذين أصبحوا يتامى نتيجة العدوان الأخير على غزة، إلا أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن حوالي 25 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، والأعداد في تزايد كل يوم. الحرب في غزة هذه المرة، والتي دخلت شهرها الثالث، لم تسلم من أحد على الإطلاق. الجميع في مهب الريح وتحت القصف، وخاصة الأطفال الذين اضطروا لتجربة الحزن مبكراً. ليس أمامهم خيار آخر، إذ يكبرون عن عمرهم بسنوات، وأمام أعينهم يُقتل إخوتهم وآباؤهم. وأمهاتهم فقط لأنهم يرفضون التنازل عن وطنهم وأرضهم. ويوضح الاخصائي النفسي الدكتور موسى مطرنة، أن نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال فقدوا الأمان والشعور بالحنان والحب. يعيشون وفي قلوبهم وجع كبير، ويسكن فيهم الظلم والقهر نتيجة فقدان والديهم، أو أحدهما. ويشير إلى أن الصور التي ستبقى عالقة في أذهان هؤلاء الأطفال هي صور القتل والدمار واستشهاد أهاليهم أمام أعينهم. لذلك، يكبرون وهم يعانون من الحرمان والألم والشعور بالغربة داخليًا. وهذا حتماً يخلق فيهم شعوراً دائماً بالقهر والحسرة بسبب الاعتداء الصارخ على طفولتهم وسلب أغلى ما يملكون. اب و ام. الأساقفة يوضحون أن الأطفال الأيتام في غزة بحاجة إلى تدخل نفسي ودولي. إنهم بحاجة إلى توحيد كل الجهود حتى يتمكنوا من تحقيق التوازن بين أنفسهم والاستمرار. إن فقدان عائلاتهم وبيوتهم وكل ما يحبونه سيشكل صدمة كبيرة لهم، مما يتطلب دعمهم نفسيا وتلبية احتياجاتهم وإحاطتهم بأشخاص يقدمون لهم الحب والرحمة. وما يزيد من تعقيد مشكلة اليتم ويعيق تقديم المساعدة للأطفال في قطاع غزة، بحسب الأساقفة، هو الوضع المتدهور في غزة من الحرمان والجوع والألم والوحشية. إن الوقوف إلى جانبهم وتمكينهم نفسياً سيساعدهم على التعافي من تبعات الحرب وقسوتها ودعم أنفسهم، وسيكونون قادرين على النضال واستعادة حريتهم وأرضهم. وبحسب اختصاصي التربية الأسرية الدكتور عايش نوايسة، فإن الحرب الوحشية على غزة خلقت خللاً واضحاً لدى الأطفال في النواحي النفسية والاجتماعية والعاطفية، وهذا ما يسبب فقدان التوازن نتيجة فقدانهم لأهلهم وأسرهم، الأصدقاء والجيران والامتداد الطبيعي للحياة الاجتماعية. وهذا يتطلب جهدا كبيرا من قبل المربين حتى يتمكنوا من استعادة نفسية الأطفال الأيتام، فهم لم يفقدوا لعبة، بل فقدوا أهلهم ووالديهم. ولذلك يجب أن يكون التدخل بدرجة عالية جداً حتى يستعيدوا توازنهم ويواصلوا حياتهم. والتدخل هنا قد يكون أبعد من التدخل التربوي، خاصة في المرحلة الأولى. وهؤلاء الأطفال، بعد فقدان أحد والديهم أو كليهما، يحتاجون إلى مناعة نفسية وعلاج لإعادتهم إلى الحياة والتفكير المنطقي. ويشير إلى أن التأهيل التعليمي لهؤلاء الأطفال يتطلب وجود برامج قادرة على إعادة دمجهم اجتماعيا وعاطفيا ضمن المؤسسات التعليمية التي تحتضنهم وتوفر لهم الرعاية والأمان، مشيرا إلى أن الأطفال في غزة يتمتعون بمستوى تعليمي وإيماني عالي. ولديهم وعي كبير بقضيتهم. وقد رأينا الكثير منهم يتمنون الشهادة والنجاح. ومع عائلاتهم، كل ذلك يعكس عمق تربيتهم وصبرهم على الانتهاك المتعمد لحقوقهم وإنسانيتهم.

“لماذا ذهبت وتركتني؟” أطفال غزة يختبرون مرارة اليتم مبكراً..

– الدستور نيوز

.