دستور نيوز

في ظل الواقع الذي نشهده بخصوص دراسة التخصصات الهندسية وفرص العمل للخريجين، وبناء على النشرة الإرشادية لنقابة المهندسين الأردنيين للعام 2024، فإن ذلك ينبئ بمستقبل غير مؤكد لواقع دراسة الهندسة لمعظم الطلبة الراغبين بدراستها، فالأرقام التي تشير إليها نقابة الأعضاء تبلغ نحو 198 ألفاً، بمعدل مهندس واحد لكل 41 مواطناً أردنياً، وهو من أكبر المعدلات العالمية في العالم نسبة لعدد السكان، وأسباب ذلك متعددة، وما وصلنا إليه مرتبط بأبعاد متعددة داخلية وخارجية وتنظيمية وإجرائية، أضف إعلاناً، بداية لمفهوم راكد ومشبع في الهندسة بشكل عام، وهو مفهوم غير علمي لا يستند إلى أسس سليمة تتعلق بطبيعة التخصص وتنوعه والمهارات التي يمتلكها الخريج والتي قد تؤهله لسوق العمل بعيداً عن درجة الركود أو التشبع في التخصص. الأمثلة كثيرة ويصعب سردها في هذه المقالة الشاملة، فما هو راكد سيصبح ديناميكيًا، وما هو مشبع الآن سيصبح غير مشبع إذا كان هناك تخطيط استراتيجي مبني على ما لدينا وما سنخطط له في المستقبل. إن ربط مفهوم الراكد والمشبع جاء من مفهومنا المتعلق بعدد الخريجين دون مراعاة المستقبل الواعد لكل تخصص واحتياجات السوق المحلية والإقليمية والعالمية، بحيث أصبحت هذه المفاهيم منفرة للطالب وللهندسة ككل، وبدأ الطلاب بالانتقال إلى تخصصات أخرى ستكون أيضًا (راكدة ومشبعة) بعد عدة سنوات إذا استمرينا في اتباع نفس السياسات والمنهجيات في سياسة القبول الموحدة، لذلك أعتقد أن الركود موجود في عملية تنظيم قطاع التعليم الهندسي العام، وهو أحد ركائز تقدم الدول والمجتمعات، وكما سأوضح في النقاط التالية الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه. 1. غياب المشاريع الهندسية الكبرى على مستوى الدولة والقطاع الخاص لاستيعاب المزيد من الخريجين وتراجع التعيينات في مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص مما أدى إلى زيادة نسبة البطالة بين المهندسين الخريجين. 2. تراجع أعداد المهندسين العاملين في دول الخليج نتيجة الطفرة التي حدثت في هذه الدول واعتمادها على خريجيها أو تشغيلها لعمال بأجور أقل من دول أخرى منافسة. 3. سياسات القبول الموحدة وربط القبول بالمتوسط دون الرجوع إلى سوق العمل والحاجة للتخصصات المطلوبة وهذا يؤثر سلبا على مهنة الهندسة والخريجين كماً ونوعاً. 4. غياب دور نقابة المهندسين في سياسات القبول الموحدة فيما يتعلق بعدد المقبولين أو في سياسات هيئة الاعتماد وإن كان لها دور فهو خجول جدا ولا يرقى إلى حجم المشكلة. 5. التوسع الأفقي في السماح بفتح تخصصات مكررة في أغلب الجامعات الحكومية والسماح بفتحها في الجامعات الخاصة مما أدى إلى زيادة أعداد الخريجين بشكل مذهل في العقدين الأخيرين كما أن هذه التخصصات متشابهة في مناهجها من حيث النوع والشكل في أغلبها فمثلا تخصص الهندسة المدنية موجود في 30 جامعة حكومية وخاصة وعدد الطلبة في هذا التخصص حاليا على مقاعد الدراسة حوالي 5898 طالب وطالبة موزعين على كافة الجامعات بالإضافة إلى أرقام أخرى لا تعلم النقابة عنها خارج الأردن فهل نحتاج لهذه الأعداد في السوق المحلي وهل كانت سياسة التوسع في هذا البرنامج أو غيره من البرامج مدروسة على أسس علمية صحيحة والجواب بكل تأكيد لا لأن فتح التخصصات مرتبط في الغالب بحاجة غير حقيقية لسوق العمل وقبول أعداد كبيرة من الطلبة في الجامعات بعيدا عن جودة ومستقبل الخريجين المهني. 6. إن مثال الهندسة المدنية ينطبق على أغلب التخصصات الهندسية الأخرى باستثناء هندسة التعدين والتي تتوفر في جامعتين فقط (جامعة الطفيلة التقنية وجامعة الحسين بن طلال) وهي من التخصصات المطلوبة في الأسواق الخليجية والسعودية الآن وحتى في المستقبل في الأردن بسبب التوسع الحكومي المقصود في قطاع الاستثمار التعديني وأنا على يقين من أنها لن تبقى راكدة في المستقبل. 6. مازلنا لا نوفر المهارات الأساسية المطلوبة من لغات ومهارات حاسوب ومهارات اتصال متخصصة وإعداد الطالب بشكل يتسق مع التحدي القادم في التخصصات الهندسية وسوق العمل. 7. ضعف التشبيك بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات التعليم العالي ونقابة المهندسين، وفقدان التوجه بين هذه القطاعات، حيث لا يتم تحديد التخصصات المطلوبة وربطها بالأعداد المسموح بقبولها في الجامعات الحكومية والخاصة أيضاً، بحيث تكون المنافسة على عدد محدد لكل تخصص هندسي يحدد حسب درجة التشبع أو الركود إذا “قبلنا” مفهوم الركود والتشبع، وأنا شخصياً لا أتفق معه، وليس “إمساك اللجام عن الرقبة” كما يحدث الآن، وهذا متبع في كل دول العالم، فنسبة القبول مهمة ولكنها ليست الأهم. 8. غياب دور الشركات والمؤسسات الخاصة العاملة في القطاع الهندسي في أي تنسيق مع مؤسسات التعليم العالي، باستثناء بعض الجامعات مثل الجامعة الألمانية الأردنية (التي لها تنسيق دولي مع ألمانيا)، وجامعة الحسين التقنية، وجامعة الأميرة سمية، ونادراً الجامعات الحكومية. حتى أننا لا نرى شراكات فعلية في تبني طلاب الهندسة واستيعاب المبدعين منهم قبل تخرجهم ليكونوا جزءاً من هذه الشركات مستقبلاً سواء من حيث التدريب أو التوظيف. فما هو الحل إذن؟ الحل ليس في إعلان المشكلة وتعميم مفاهيم الجمود والتشبع على المعنيين. لا يمكن حل هذا الوضع إلا بإعادة النظر في الاستراتيجيات المتعلقة بالتعليم العالي والموارد البشرية واتخاذ قرارات جريئة يكون طرفا المعادلة مؤسسات التعليم العالي (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، هيئة الاعتماد وضمان الجودة، مجالس الأمناء في الجامعات الحكومية والخاصة، رؤساء الجامعات وكافة مجالس الحوكمة فيها، نقابة المهندسين والقطاع الهندسي الخاص)، بحيث تنعكس هذه القرارات على كل ما نعاني منه من حيث عدد الطلبة المقبولين وربطه باحتياجات سوق العمل المحلي أولاً، والسوق الإقليمية ثانياً، والسوق العالمية أيضاً، بما يتسق مع واقع ونظرة مستقبلية لقطاع التعليم الهندسي بشكل عام والفرص المستقبلية في ظل غزو التكنولوجيا لكافة مناحي حياتنا. وفي رأيي أن الدور الأعظم يقع على عاتق نقابة المهندسين التي يقع على عاتقها تنظيم مهنة الهندسة في البلاد ليس فقط لأعضائها، بل والتدخل في تنظيم عدد المهندسين قبل ذلك من خلال المشاركة في صنع واتخاذ القرارات في كل ما ذكرته. يجب على نقابة المهندسين وضع حلول منطقية لصناع القرار، ولا ينبغي أن يكون الدور الأساسي في إصدار نشرة سنوية للأعداد وطبيعة التخصص، وهل هو مشبع أم راكد، وأخيراً فإن مستقبل الشعوب هو التعليم، وطلابنا أمانة وطنية بين أيدينا لبناء وطن قوي، معتمدين على موارده البشرية، وخاصة المهندسين.
الهندسة بين الركود والتشبع
– الدستور نيوز