.

وديعة النبي…

وديعة النبي…

دستور نيوز

المسجد الأقصى في القدس ليس فلسطينيا بالمعنى الحرفي، وإذا كان المسجد في فلسطين وجواره فلسطينيا، فهذا لا يعفي ملياري عربي ومسلم من مهمة الدفاع عنه، لا تحت أي عنوان هذه الأيام، فهو أمانة في أعناق الجميع، ومن يتجاهلها ويغمض عينيه عنها يحاسب عليها، مليار عربي ومسلم يتمنون الصلاة فيه، ولكنهم في نفس الوقت يستريحون في بيوتهم معتبرين أن مهمة الدفاع عنه منوطة بمن يعيش في البلدة القديمة من القدس، أو القدس كلها، أو بقية أهل فلسطين، واللافت هنا أن لا شيء يغضب العرب والمسلمين في غالبيتهم، لا الدماء المسفوكة ولا “أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم” وهي المسجد الأقصى، وهم حقا كحثالة السيل بلا فائدة، مما يحولنا إلى أمة صاخبة بامتياز في هذا الزمن الصعب جدا. بالأمس اقتحم المئات المسجد الأقصى مرة أخرى، ومنذ بداية العام الجاري اقتحم المسجد الأقصى أكثر من 25 ألف إسرائيلي، أي خلال ستة أشهر. البعض لا ينتبه لقصة المسجد الأقصى، ويقول لك إن هذا مجرد بناء حجري سيعاد بناؤه حتى لو هدمته إسرائيل، لأن البناء مر بمراحل مختلفة، والقيمة ليست في الحجارة. هذا الرأي الضعيف يعبر عن جهل متطرف، ورغبة في التخلي عن المسؤولية عن المسجد، بقيمته الأساسية، وكونه “أمانة الرسول” (صلى الله عليه وسلم)، الذي يتعرض للتهديد والحرق وإطلاق النار والمداهمات كل يوم. هذه الأمة لا تستطيع نصرة أهل القدس كما ينبغي، ولا تستطيع الالتفاف على العراقيل الإسرائيلية لنصرة القدس، ولا تفعل شيئا لحماية المسجد. كما يساعد على تكريس الواقع الحالي، أي أن يقال للفلسطينيين اذهبوا وصلوا وعادوا إلى ديارهم، ولا تعترضوا على إسرائيل، ولا تسببوا في فوضى أمنية داخل المسجد الأقصى، وهو ما يقودنا فعلياً إلى تكريس السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وتعزيز التقسيم الزمني، وصولاً إلى التقسيم الجغرافي لكامل مساحة المسجد الأقصى. ومن يريد أن يتنازل عن دوره في ملف المسجد الأقصى يفعل ذلك من باب الإهمال والنسيان، أو حتى البحث عن الحجج من خلال أبواب مختلفة، ومنها أن إسرائيل تسيطر على كل شيء، وإذا كانت “أمانة النبي” عليه السلام لا تثير الغيرة ولا الغضب ولا القلق ولا الشعور بالمسؤولية، فما الذي يثير الغيرة هنا، خاصة أننا نرى أننا جميعاً أصبحنا، بما في ذلك كاتب هذه السطور، مجرد أمة تبكي على حاضرها، بسبب كل ما نراه في كل دول المشرق العربي، وبقية المنطقة العربية والإسلامية التي تعاني بالفعل من كوارث مختلفة. ولا بد من الإشارة إلى أن جرأة الإسرائيليين تجاه المسجد الأقصى زادت بعد حرب غزة، من باب الانتقام والثأر والتحدي، وبات وزراء الاحتلال يدخلون الحرم بين الحين والآخر، تحت حماية الجيش والأمن الإسرائيلي، أما الأمر الأهم فهو يتعلق بنقطتين، الأولى فرض السيادة الإسرائيلية التدريجي المستمر على المسجد الأقصى، بما في ذلك المسجد الأقصى، والثانية التحضير لهدم أحد المسجدين داخل المسجد الأقصى، المسجد القبلي وقبة الصخرة، والاستيلاء على الأراضي الخالية داخل المسجد الأقصى. وهكذا ينجرف العالم كله نحو منحنيات خطيرة، وتضيع التحذيرات الصادرة من القدس التي يعاني أهلها من الملاحقة الأمنية والمراقبة والتعذيب والاعتقال والتجويع، في سياقات إذلال كل هؤلاء، ولا يسمعون إلا أصوات الأذكياء عندما يقولون لماذا لا ينتفض أهل القدس رجلاً واحداً ضد إسرائيل، وهو سؤال يمكن عكسه أيضاً ليكون للأمة العربية والإسلامية، بسؤالهم لماذا لا تنتفضون رجلاً واحداً للدفاع عن “أمانة الرسول”، قبل أن تتحول إلى مسجد فلسطيني بحت وفقاً لرؤاكم الفريدة، التي تجد مسارات سوداء تتدفق إلينا في كل مرة. “أمانة الرسول” هي قمة الصراع السياسي وتحديد الهويات داخل فلسطين، بما يعنيه ذلك على مستوى أمة بأكملها، وعلى مستوى منطقة عربية معرضة لأخطر السيناريوهات.

وديعة النبي…

– الدستور نيوز

.