.

خلف قناع الغضب… الكلمات الجارحة تترك “ندوبًا” لا تلتئم أبدًا…

خلف قناع الغضب… الكلمات الجارحة تترك “ندوبًا” لا تلتئم أبدًا…

دستور نيوز

عمان – تبدأ خولة خليلي حديثها بقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا يكتم أحد شيئاً إلا ظهر في زلات لسانه وصفحات وجهه»، لتؤكد من خلالها أن ما يقوله الإنسان في لحظات الغضب ما هو إلا انعكاس لمشاعره الدفينة التي تنتظر الفرصة المناسبة للظهور. تضيف خليلي: «قد نخطئ أحياناً حين نعتقد أن الكلمات التي تخرج في لحظات الغضب لا تخرج من القلب ولا تكون مقصودة، لأننا ندرك لاحقاً أثرها الباقي في نفوس الآخرين». الكلمات الجارحة تمثل انعكاساً لمشاعر دفينة تجاه الآخرين، لا تظهر في أوقات السعادة والاتفاق، بل تنفجر كالبركان عند أدنى خلاف. ويتفق أحمد عبد الرحيم مع خليلي في أن الكلمة التي تقال في لحظة الغضب هي بمثابة رصاصة لا يمكن استرجاعها، فأثر الكلمة الجارحة لا يمكن محوه. وأضاف أن خيبات الأمل التي يشعر بها الإنسان عندما يسمع كلمات قاسية من الآخرين أثناء نوبات الغضب تترك ندوباً تحتاج إلى وقت طويل للشفاء، لكن الأمر الأكثر إيلاماً هو أنك تفقد الثقة بهذا الشخص وكلماته الطيبة ومواقفه الطيبة، لأنك في كل مرة تكون حذراً من غضبه، ومع الوقت تتعلم أن “الكلمات التي تقال في لحظات الغضب تستمر في الإيذاء طوال الحياة”. ويرى أيمن أن لحظة الغضب هي الوقت المناسب لتقييم مكانتنا لدى الآخرين، فعندما تسود الكلمات الطيبة في أوقات الهدوء نعتقد أننا مميزون لدى الآخرين، لكن اختبار الزمن والأيام هو ما يكشف عن مكانتنا الحقيقية في قلوب الناس. إن تأثير الكلمات الجارحة يدوم طويلاً ولا يمحيه مرور الزمن، حتى لو حاولنا تعويضه بالكثير من المودة والرقي في التعامل، فالكلمة الصادقة التي تقال في لحظة الغضب أو الصراحة قد تسبب جرحاً لا ينسى. ويوضح أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطرنة أن الكلمات أداة أساسية للتعبير والفهم والتأثير في حياتنا والتواصل مع الآخرين. لذلك يجب علينا الاهتمام باختيار كلماتنا بعناية وضبطها في كافة المواقف، ويشير مطرنة إلى ضرورة اختيار الكلمات عندما يريد الإنسان إيصال رسالة إلى الآخرين، سواء كانت منطوقة أو مكتوبة أو مرئية، وأن يكون واعياً للكلمة، مشيراً إلى أن أخطر تأثير للكلمات يحدث أثناء الطفولة أو عندما تأتي الكلمات الجارحة من أشخاص تثق بهم كثيراً ويعنون لك الكثير ولهم مكانة خاصة في حياتك، حيث تضرب الإنسان في أعماق مشاعره وتجرح عواطفه، ويمتد تأثير الكلمات السيئة لفترات طويلة على شخصية الإنسان وسلوكه، وتكون لديه ردود أفعال مختلفة تجاه الآخرين، ويقول مطرنة: “الغضب بيت الشر”، ويجب على الإنسان أن يضبط نفسه عند الغضب وأن يستخدم استراتيجيات ضبط النفس، فالكلمة كلمة سواء في لحظات الغضب أو الفرح، لأنها تؤثر على الإنسان عندما تنطق بها، وتخلق لديه شعوراً بالقهر. الكلام السيئ بحسب مطرنة يخلق عقدة في قلب الإنسان وقد يؤثر على مجرى حياته ويغير شخصيته، مشيرة إلى أن الإنسان في لحظات الغضب ينطق بكلمات عشوائية غالباً ما تكون قاسية وجارحة ولها تداعيات كبيرة، وتتفق معها عالمة الاجتماع الدكتورة فادية الإبراهيم، فهناك من يجرح الآخرين بكلامه وأقواله، ويترك جرحاً يحتاج إلى وقت طويل للشفاء وربما كلمات السب والسخرية والحكم والشتم والنقد وغيرها، مما يؤثر على مجرى حياة الآخرين، وتشير الإبراهيم إلى أننا بحاجة إلى ثقافة اختيار الكلمات في العلاقات الاجتماعية، فالكلمة الطيبة ترضي النفس والعقل، أما الكلمة الجارحة أو القاسية فتجعل الإنسان يشعر بالألم والحزن، ويصعب أحياناً التخلص من عواقبها. الكلام السلبي بشكل عام هو عبارة عن مفردات ينطق بها الإنسان في حالات الانفعال أو الغضب نتيجة بعض التصرفات الصادرة من الطرف الآخر، ويصدر حكماً سيئاً عنه، ولا تمر هذه الكلمات بسهولة إلى أذنيه، بل تؤثر على شخصيته وصورته الذاتية بشكل مبالغ فيه. وقد ثبت من خلال التجارب أن الكلام السلبي من أكثر أسباب الإحباط وانعدام الثقة بالنفس وانخفاض تقدير الذات، بحسب الإبراهيم. وتقول إن تأثير الكلام على تفكير الإنسان وسلوكه يكون قوياً، سواء من حيث التوازن النفسي أو العقلي أو الجسدي. وقد تسبب الكلمات الجارحة التي يتلقاها الإنسان وهو غاضب الصداع والأرق وتشنجات في الرقبة والكتفين، وقد تسبب آلاماً وتقلصات في المعدة. الكلمات السيئة لها آثار اجتماعية ونفسية سلبية كبيرة، بحسب الإبراهيم، مشيرة إلى أن الاستخدام المستمر للكلمات الجارحة أو القاسية لفترات طويلة قد يدفع الضحية إلى إيذاء نفسه أو محاولة الانتحار بسبب التنمر والكلام السلبي ووصمة النقص والدونية من الآخرين، ويؤثر على ثقته بنفسه وتكيفه، فيشعر الشخص أنه كذلك بالفعل ويشعر أن حياته لا قيمة لها، خاصة إذا كان يعاني من اضطرابات نفسية. وشدد الإبراهيم على أهمية اختيار الكلمات ومراقبة السلوك اللفظي لأنه له تأثير قوي على الآخرين، فإذا كان إيجابيا سيؤدي إلى أشياء إيجابية تنعكس على الشخص، والعكس صحيح إذا كان سلبيا سيؤثر سلبا على شخصية الشخص وتوافقه واندماجه في مجتمعه وبيئته، وقد يصبح أكثر عرضة من غيره للاضطرابات التكيفية في وقت لاحق من الحياة. “يجب أن نتعامل مع هذه الكلمات بذكاء ونتغلب عليها من خلال تقييم المشاعر وتقييم الأشخاص، لذلك نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل تستحق هذه الكلمات وهؤلاء الأشخاص حقا كل ردود الفعل العاطفية التي مررنا بها أم لا؟” وتقول الإبراهيم: “يجب أن نسامح كلام الناس إن استطعنا، ثم ننسى الموقف بالكامل إن لم يكن فيه فائدة، ولا نلتفت للكلام ونكمل حياتنا”. وهذا الحل يوفر علينا الكثير من الطاقة العاطفية السلبية التي لا نحتاجها أو نحتاجها لنعيش. فالكلمات الجارحة قد تسبب فقدان الشهية أو زيادة الرغبة في الأكل “الشره العصبي والعيش في حالة من القلق والتوتر والألم الجسدي والاضطراب النفسي والعزلة الاجتماعية أو عدم القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية”، مما يقلل من الإنتاجية والرغبة في ممارسة الأنشطة. أما تأثيرها النفسي، فهي تضع الإنسان في حالة من التفكير الدائم والعيش في صراع وتفكير مفرط ومشتت بسبب استيائه أو عدم رضاه عن هذه الكلمات. ومهما كانت الكلمات قوية ومزعجة، فلا بد من تقوية الرغبة الحقيقية في التعافي منها والتغلب عليها، وإعادة النظر في الأشخاص والمواقف، والتعلم من الأخطاء، حتى لا يقع ضحية مرة أخرى للكلمات الجارحة أو القاسية.

خلف قناع الغضب… الكلمات الجارحة تترك “ندوبًا” لا تلتئم أبدًا…

– الدستور نيوز

.