.

مال و اعمال – الملاط يتلوى على نار الأسعار.. هل يصبح ترفاً في بيوت اللبنانيين؟

محمد بالومنذ 38 ثانية
مال و اعمال – الملاط يتلوى على نار الأسعار.. هل يصبح ترفاً في بيوت اللبنانيين؟


دستور نيوز

تتغير الظروف والسياسات، ويتغير الناس وهمومهم، لكن بعض العادات تبقى راسخة، تمتد جذورها في عمق الأرض والوجدان، تستمد الأصالة والمحبة والارتباط بالوطن والهوية. الملاط اللبناني هو أكثر من مجرد أشياء مخزنة في المطابخ. فهو أداة الأمان في أوقات الأزمات، ومبعث الفخر في أيام الخير والرخاء، وكنوز التراث والأصالة في كل العصور. الهاون هو الذاكرة الجماعية للأمة، والارتباط المستمر بالماضي، مهما تطور الزمن، وتغيرت طرق العيش، أو مدى صعوبة الظروف المادية والمعيشية.

ويأتي موسم الملاط هذا العام مثقلا بالأعباء الاقتصادية والظروف الحياتية الضاغطة. نزحت القرى وترك الناس أراضيهم وبيوتهم ومحاصيلهم، ووصلت الأسعار المرتفعة إلى كافة مكونات الهاون. وتشتكي ربات البيوت وكذلك الجمعيات النسائية والتعاونيات الزراعية. ضغط ارتفاع الأسعار يفرض خيارات قاسية، ومعاناة القرى تغير الأولويات. لا يبدو أن الملاط السنة، الذي يتم تحضير معظمه في الصيف، يجلس سعيدا على الرفوف وفي الخزائن، كما في خفايا الخزائن و«التخيطات».. يظهر المربى والمكدوس والكشك وماء الورد ومعجون الطماطم في خجل، مصحوبا بصرخة تعكس حجم الأزمة التي تسللت إلى صلب العادات والتقاليد، وطالت المونة وصناعها.

فقدت الأنين

في مثل هذه الأيام من كل صيف، تنشغل النساء بتحضير أنواع مختلفة من الملاط اللبناني. واعتادت فاطمة، كل عام، مع عائلتها، تحضير أكثر من 200 كيلوغرام من دبس الرمان، وغليه على النار لساعات، وتصفيته أكثر من 5 قناني غاز، ليتحول عصير الرمان إلى دبس معقّد. واليوم تغير كل شيء. خلال موسم الرمان في القرى الجنوبية، لم يكن هناك من يقطفها، وسقط معظمها على الأرض أو احترقت أشجارها، وشهدت أسعار الغاز صعودا وهبوطا وتقلبات. فاطمة وعائلتها الذين نزحوا من قريتهم ولجأوا إلى مدرسة أولا في صيدا، ثم في بيروت، لم يعودوا يفكرون في دبس الرمان، بل يبحثون عن سقف يؤويهم ويشعرون بالأسف على القرية وبساتينها. وتقدم فاطمة بعض الأرقام التي استلهمت من محيطها قائلة: 20% فقط ممن كانوا يعملون في تحضير الملاط يقومون بذلك هذا العام، بينما يشعر البقية بعدم القدرة مادياً ولا معنوياً ولا حتى عملياً على العودة إلى هذا التقليد. الفتك يتطلب رأس المال أولا ثم الصبر والجهد، والأهم أن تبقى القرى حتى نتمكن من الوصول إليها وجني محاصيلنا.

وما أثر على الرمان أثر أيضا على زهر الليمون وماء الورد، اللذين يستخدمان لتقطير ماء زهر البرتقال وماء الورد. وتركت كميات كبيرة من زهور البوصفير على أمهاتها ولم يتم قطفها أو نثرها على الأرض في صور والزهراني وبعض مناطق بنت جبيل ومرجعيون. ما تبقى كان من الصعب العثور على العمال لاختيارهم. ومن تجرأ على القيام بالقطف، بحسب ما يقول أحد أصحاب البساتين في مرجعيون، فقد ارتفع أجره اليومي من 10 إلى 15 أو 18 دولاراً. وفي قصرنبا البقاع، لم يوفر القصف تلك الورود الرقيقة، فضعف المحصول وقصر موسم ماء الورد. وما زاد الطين بلة ليس فقط قلة المحصول في بعض المناطق، بل أيضاً ارتفاع أسعار العبوات الزجاجية التي وصلت إلى 30 ألف ليرة للزجاجة الواحدة، بعد ارتفاع تكلفة تصنيعها في المصانع المحلية التي تستخدم الأفران الحرارية بسبب ارتفاع تكلفة الكهرباء.

المرونة في أوقات ارتفاع الأسعار

تؤكد ديانا شبل، صاحبة محل صغير للمونة في دير القمر، أن تكلفة التغليف ارتفعت بشكل كبير، بدءًا من الورق المقوى، ثم البلاستيك والزجاج، وصولاً إلى الورق وأكياس النايلون وربطات العنق. وارتفعت أسعار كل هذه مع ارتفاع أسعار النفط، حتى اضطر صغار مصنعي الملاط، وكذلك الكبار، إلى رفع أسعار منتجاتهم، حتى قبل حساب تكلفة الأصناف نفسها. صحيح أن ذلك لم يشكل عبئاً ملموساً على ربات البيوت، لكن لا يمكن أن ننسى، كما تقول إحداهن، أسعار الصابون ومواد التنظيف وأكياس النفايات التي نحتاجها بعد تحضير الملاط، وقد ارتفعت أسعارها جميعها بشكل ملحوظ. ويقول الشبل إن أسعار بعض المواد ظلت على حالها، مثل السكر والخل والسمسم، لكن مواد أخرى شهدت ارتفاعا كبيرا في الأسعار، منها حليب البقر الذي يستخدم في صناعة الكشك، أو حليب الماعز. وارتفع سعر لتر الحليب بنسبة 30 إلى 50% بين عامي 2025 و2026، بسبب ارتفاع تكلفة إنتاج الحليب نتيجة ارتفاع تكلفة الأعلاف والمازوت والأدوية البيطرية والنقل. وحددت وزارة الزراعة سعراً استرشادياً لشراء حليب البقر العام الماضي بنحو 0.70، فيما ارتفع هذا العام إلى 0.74، وهو ما انعكس على سعر كيلو الكشك الذي وصل إلى 35 أو 40 دولاراً. كما ارتفع سعر كيلو لبنة «المكزيلة»، إذ لا ينتج جالون 5 كيلو حليب أكثر من جرة ونصف لبنة «المكزيلة». ومع الأخذ في الاعتبار تكلفة زيت الزيتون وسعر الجرة الزجاجية، تصبح اللبنة المعزولة، التي كان يأكلها القرويون الفقراء في السابق، صنفاً «فاخراً» لا يستطيع سوى القليل من الناس شراءه بكميات، خاصة وأن سعرها يرتفع عندما تكون مغلفة بالزعتر أو السماق والأعشاب.

تماماً مثل اللبنة، أصبح المكدوس سلعة فاخرة، ومع ارتفاع أسعار الجوز وزيت الزيتون، بدأ بعض مصنعي الملاط، خلافاً للعادات المتبعة، يفضلون بيع المكدوس بدون زيت! فهم يملؤون الجرة الزجاجية حتى حافتها، ويغلقونها جيداً للحفاظ عليها، ويبيعونها بسعر أقل، ويتركون للمشتري أن يضع فيها ما يشاء من نوع الزيت. وتقول إحدى النساء اللاتي يصنعن هذا النوع من المكدوس، إنه أكثر وفرة وألذ، ويدوم لفترة أطول، ولا يتغير طعمه مع مرور الوقت. ونظراً لارتفاع أسعار الجوز والثوم وحتى الباذنجان الأبيض، فإن سعر جرة المكدوس نصف كيلو يتراوح بين 15 و18 دولاراً كحد أقصى. أما المربيات والمخللات والعصائر فلا شك أن أسعارها تشهد أيضاً ارتفاعاً نظراً لارتفاع أسعار الفواكه والخضروات. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد إلى أن أسعار الخضار الطازجة ارتفعت بنسبة تراوحت بين 17% و30% بين العام الماضي وهذا العام، فيما ارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة تراوحت بين 27% و35%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة تحضير الملاط المنزلي. ارتفاع أسعار الخضار والفواكه يعود إلى ارتفاع تكلفة إنتاجها، بسبب تكلفة الري والمازوت والنقل والبذور والمبيدات وغيرها. وتقول نهاد، وهي امرأة زحلوية، إنها تكتفي بتحضير الملاط من الأصناف التي تزرعها أرضها، كالخوخ والكرز والرمان، ولا تلجأ أبداً إلى شراء الخضار والفواكه من السوق، لأن التكلفة تصبح حينها مرتفعة جداً، والأفضل بعد ذلك «شرائها وعدم رفعها»…

من تقليد منزلي إلى حرفة مزدهرة

الزيت والزيتون، رغم أن موسمهما لم يبدأ بعد، إلا أن الأيام المقبلة تبشر بارتفاع أسعارهما. انخفض محصول الزيتون في الجنوب بشكل ملحوظ، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على الزيتون من المناطق الأخرى. أما الزيت، فيعتمد سعر النكهة على تكلفة المعصرة واليد العاملة وسعر جالونات البلاستيك، رغم أن الموسم جيد هذا العام، كما يقول المزارعون، والأشجار مليئة بالثمار. ومن المرجح ألا يتجاوز السعر الذي تراوح العام الماضي بين 180 و200 ريال، نتيجة الموسم الغزير.

زعتر، زهور، تين مجفف، مخلل، شراب، كومبوت، معجون الطماطم، معجون الطماطم، الطماطم المجففة، ورق العنب، الجبن المحلي، الملوخية المجففة، البرغل، الكشك… وغيرها الكثير من الأصناف التي تشكل نواة الملاط اللبناني، الذي تزداد أصنافه تنوعاً سنة بعد سنة، لتتحول من تقليد منزلي إلى صناعة محلية تحظى بإقبال كبير وتعكس تعلق اللبناني بأرضه ومنتجاتها. وبعد أن كانت كل امرأة تجهز مستلزمات بيتها بيديها من منتجات المزرعة والأرض، أجبر نمط الحياة السريع ربات البيوت العاملات على الابتعاد عن هذا التقليد المتوارث من جيل إلى جيل، لكن ذلك لم يلغي علاقتهن بالملاط وأنواعه، الذي انتقل من مطبخ المنزل إلى المتخصصين، وأصبح حرفة شعبية في وقت بدأت فيه الحرف القديمة في التلاشي. وقد احترف الشباب والشابات صناعة الملاط، وانتقلوا بها من تراث قديم إلى حرفة يدوية متطورة وصناعة قائمة على العلم. مئات الأسماء التي نراها على وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا مثال على المستوى الذي وصلت إليه صناعة الملاط اللبنانية، خاصة في الريف والضواحي، وعلى تحولها من وظيفة منزلية إلى مصدر لتمكين المرأة من كسب لقمة العيش.

العمل في المنزل؟

لكن، رغم الإقبال على شراء أنواع الملاط من قبل اللبنانيين المقيمين والمغتربين، هناك شكوى صحيحة، وهي ارتفاع أسعار المنتجات، وكأن عبارة «شغل البيت» تسمح برفع الأسعار من دون محاسبة أو رقابة، ومن دون وضع معايير واضحة لمنتجات الملاط البلدي أو «الحيوي»، كما هو الحال في معظم الدول. ويبدو أن معارض القرى ومعارض الملاط خير دليل على هذا السعر المرتفع أو الاحتيال في بعض الأحيان، حيث يصل سعر جرة العسل إلى 40 دولارا، وجرة مربى المشمش تصل إلى 8 دولارات، فيما لا يعرف المشتري إذا كان العسل أصليا، أو إذا كان المربى مصنوعا من أجود الفواكه…

لكن رغم قسوة الظروف، يبقى الملاط رسالة وفاء للأرض التي أعطتنا الكثير، وتراثاً يستحق الحفاظ عليه وحمايته.

#الملاط #يتلوى #على #نار #الأسعار. #هل #يصبح #ترفا #في #بيوت #اللبنانيين

الملاط يتلوى على نار الأسعار.. هل يصبح ترفاً في بيوت اللبنانيين؟

– الدستور نيوز

مال و اعمال – الملاط يتلوى على نار الأسعار.. هل يصبح ترفاً في بيوت اللبنانيين؟

المصدر : www.imlebanon.org

.