دستور نيوز
كتبت سلوى بعلبكي في «النهار»:
ولن يتوقف رصيد الخسائر ما دامت الحرب على لبنان مستمرة. كل ساعة إضافية من المواجهة تعني المزيد من الضحايا، والمزيد من المنازل المدمرة، والمزيد من المؤسسات المغلقة، وفرص ضائعة قد لا تعود أبداً. أما رقم الخسائر بـ20 مليار دولار، الذي قدره وزير المالية ياسين جابر قبل نحو 10 أيام وأثار الدهشة، فقد تحول اليوم إلى مجرد محطة على طريق نزيف مفتوح، بوتيرة أسرع من قدرة أي جهة على حساب فاتورتها أو مواكبتها.
لكن المشهد الأكثر قسوة لم يظهر بعد. الحرب، رغم قسوتها، قد تحجب جزءاً من الحقيقة تحت وطأة النزوح والانشغال بتوفير مقومات الصمود. الصدمة الكبرى ستبدأ عندما يسكت صوت السلاح ويعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليكتشفوا حجم ما فقدوه. دمرت المنازل وسويت بالأرض، وخرجت المؤسسات عن الخدمة، وتضررت الأراضي ومصادر العيش، وواقع اقتصادي واجتماعي جديد يحتاج إلى سنوات طويلة لترميمه.
وهذا الواقع الذي يخشاه جابر، كما قال في حديثه لـ«النهار»، يتجاوز الأرقام المجردة للخسائر المباشرة، ويمتد إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي ستظهر تباعاً بعد توقف الحرب. ويقدر جابر حجم الخسائر المتراكمة منذ حرب 2024 حتى اليوم بأكثر من 20 مليار دولار، فيما ترفعها المؤشرات الناشئة إلى نحو 25 ملياراً، مؤكداً أن استمرار الحرب يعني حتماً استمرار هذه الفاتورة في الارتفاع.
من 7 مليار إلى أكثر من 20 مليار
ويستند هذا التقدير إلى مسار تصاعدي للخسائر. وفي نهاية عام 2024 وبداية عام 2025، قدّر البنك الدولي الأضرار المباشرة بنحو 7 مليارات دولار، تشمل المنازل والبنية التحتية والمرافق المتضررة، بالإضافة إلى ما بين 5 و7 مليارات دولار خسائر غير مباشرة ناجمة عن تراجع الناتج المحلي وانكماش النشاط الاقتصادي وخسارة فرص الاستثمار والأرباح.
وبحسب جابر، فإن “هذه الأرقام لم تعد تعكس الواقع الحالي بعد أشهر إضافية من الدمار والتعطيل الاقتصادي، ما دفع إلى إطلاق دراسات جديدة بالتعاون بين المجلس الوطني للبحث العلمي والبنك الدولي لرصد الأضرار الناشئة”. وتكتسب هذه الدراسات أهمية خاصة لأنها تعتمد على الصور الفضائية والتقنيات المتقدمة لتحويل الملاحظات الميدانية إلى تقديرات عددية دقيقة، بالإضافة إلى أن إصدارها بدعم من البنك الدولي يمنحها مستوى عال من المصداقية الدولية.
تضرر 61 ألف وحدة سكنية
وبحسب الأرقام الرسمية التي أعلنها الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية شادي عبد الله، فقد بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة والمتضررة كلياً أو جزئياً في لبنان، نحو 61056 وحدة سكنية، بين 2 آذار/مارس و8 أيار/مايو 2026. إلا أن هذا الرقم لم يعد يعكس الواقع الحالي بدقة، إذ من المؤكد أنه ارتفع بشكل كبير منذ ذلك التاريخ مع استمرار الهجمات واستمرار استهداف المناطق اللبنانية، ما أدى إلى إلحاق أضرار إضافية بالمساكن والممتلكات. يُشار إلى أن عدد الوحدات المتضررة بلغ 50424 وحدة حتى 16 أبريل 2026، قبل أن يقفز بأكثر من 10 آلاف وحدة في أقل من شهر، في إشارة واضحة إلى التسارع الكبير في وتيرة خسائر المساكن.
ولا ينظر وزير المالية إلى الخسائر من منظور المباني المهدمة فقط، بل من منظور التأثير العميق على الاقتصاد ككل، خاصة وأن الجنوب الذي تعرض للقسم الأكبر من الهجمات يشكل ما يقارب 25% من الاقتصاد الوطني. وهذا يعني أن الإضراب ضرب قطاعات الإنتاج والزراعة والتجارة والخدمات، ولم يقتصر على الممتلكات الخاصة والعامة.
ومن هذا المنطلق، يشير جابر إلى أن جزءاً كبيراً من الخسائر لا يزال غير مرئي حتى الآن. الأرباح الضائعة والاستثمارات المؤجلة وتراجع الاستهلاك وخسارة المواسم التجارية والسياحية، كلها تشكل جزءاً أساسياً من الفاتورة الاقتصادية. وتأثر موسم عيد الأضحى بشكل مباشر، فيما تتزايد المخاوف بشأن موسم الصيف الذي تم الاعتماد عليه لتحفيز الدورة الاقتصادية وتوفير التدفقات المالية التي يحتاجها لبنان.
أكبر صدمة بعد العودة
الملف الذي يهم وزير المالية بشكل خاص هو مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. وبرأيه، فإن “الصدمة الفعلية ستظهر عندما يعود السكان إلى قراهم وبلداتهم ويكتشفون حجم الدمار الذي حل بمنازلهم ومصادر رزقهم، ومن ثم ستنتقل الأزمة من مرحلة التهجير المؤقت إلى مرحلة إعادة الإعمار وإعادة هيكلة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المتضررة”.
واستعداداً لهذه المرحلة، تدرس الدولة خيارات متعددة لتوفير السكن الجاهز وإيجاد حلول سريعة للعائلات التي فقدت منازلها، بالتوازي مع الاتصالات مع المؤسسات الدولية والدول المانحة لضمان التمويل اللازم. لكن جابر لا يخفي صعوبة المهمة «في ظل بيئة دولية تختلف كثيراً عن تلك التي عاشها لبنان في الأزمات السابقة».
ولا تزال المساعدات الخارجية محدودة مقارنة بحجم الكارثة. وفي حين بلغت المساعدات التي تلقاها لبنان خلال العام 2024 نحو 700 مليون دولار، كما وصلت عشرات الطائرات المحملة بالمساعدات الإنسانية، فإن «المساعدات المتوفرة حاليا لا تتجاوز نحو 130 مليون دولار، فيما تواجه الدول المانحة نفسها أزمات وضغوط اقتصادية تحد من قدرتها على تقديم الدعم».
ولا تقتصر الضغوط المالية على إعادة الإعمار المتوقعة، بل تشمل أيضاً كلفة النزوح التي وصلت إلى مئات الملايين من الدولارات. ويشير جابر إلى الأموال التي تم تقديمها عبر المانحين والمخصصات الحكومية والتمويل الأوروبي لمواكبة الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية المتزايدة، وهي أعباء من المرجح أن ترتفع كلما طالت الحرب.
ويعتمد التعافي على التمويل الدولي
وعن مرحلة التعافي، يقول جابر إن الاقتصاد اللبناني بطبيعة الحال لديه القدرة على استعادة جزء من نشاطه بسرعة نسبية، كما حدث في المراحل السابقة، لكن حجم الدمار الحالي والظروف المالية الصعبة التي يعيشها لبنان تجعل المهمة أكثر تعقيدا هذه المرة. ولذلك فإن سرعة التعافي الاقتصادي ستبقى مرتبطة بشكل مباشر بكيفية انتهاء الحرب وإمكانية توفير تمويل دولي واسع لإعادة الإعمار.
#جابر #خسائر #الحرب #تجاوزت #مليار #دولار
جابر: خسائر الحرب تجاوزت 20 مليار دولار
– الدستور نيوز
مال و اعمال – جابر: خسائر الحرب تجاوزت 20 مليار دولار
المصدر : www.imlebanon.org
