دستور نيوز

عمان – عقد منتدى الرواد الكبار أول من أمس ندوة حول كتاب الدكتور جورج الفار بعنوان “خرجت على القطيع” الصادر عن دار الآن للنشر والتوزيع بعمان. تحدثت الدكتورة دلال عنبتاوي في الندوة التي أدارتها المستشارة الثقافية للمنتدى كاتبة القصة القصيرة سحر ملص وحضرها عدد من المهتمين بالشأن الثقافي بالإضافة إلى مديرة المنتدى هيفاء البشير. أضف إعلانا قدمت الدكتورة دلال عنبتاوي قراءة قالت فيها: “في النظرة الأولى على العنوان، يأخذك بناء الجملة الفعلية في عنوان الكتاب بعيدًا وواسعًا، وتظن أنك يجب أن تتصفح سيرة ذاتية لكاتب وروائي وفيلسوف، وتطفو على السطح أسئلة كثيرة، أولها: هل من الأدق أن نخالف القطيع في التعبير، أم الأدق أن نخالف القطيع كما اعتدنا على استخدامه، وأيهما أدق؟”. وأوضحت أنها ستتحدث في هذه الندوة عن الرؤية ودلالاتها وأهميتها، وقد تفرعت رؤية هذه النصوص في هذا الكتاب ودارت حول العديد من المواضيع لعل أهمها “الإنسان والموسيقى والمدن والطبيعة والذات والحرية والوظيفة والمهنة والثقافة والصداقة والوعي واللعب”، مشيرة إلى أنها ستتناول في هذه الجولة السريعة أهم الرؤى، وإن كانت جميعها مهمة وتستحق التوقف عندها. وأولى هذه الرؤى التي أشارت إليها عنبتاوي هي التي تقترب بشكل وثيق من واقعنا الحاضر وما يشهده عالمنا العربي وغزة وفلسطين من حروب إبادة وتطهير عرقي وحروب إبادة بشعة، وأهم هذه الرؤى “صنعت حريتي بنفسي، أنا أقاوم، أنا موجود، فلسطين قضيتي، إنسان، زيتون ودهنون”. ولعل الرؤية اللافتة هنا جاءت في النص الذي حمل عنوان “صنعت حريتي بنفسي”، والذي يؤكد أهمية الحرية لدى كاتبنا ويوضح قيمتها العظيمة عندما يصنعها الإنسان بنفسه ويقاوم بشدة من أجل الحصول عليها، فيخلقها ويصنعها بيديه وكأنها شيء مادي. وتوقف عنبتاوي عند رؤية المؤلف التي تلتقي وتترابط مع الحرية أولاً، ومع الواقع الذي نعيشه الآن في غزة وفلسطين، فها هو في “فلسطين قضيتي” يقول في الصفحة 84، حيث يستعرض المؤلف القضية الفلسطينية من منظور تاريخي وفلسفي، موضحاً بقوله: “فلسطين جزء صغير من المنطقة العربية يقع في جنوب غرب بلاد الشام وعلى الكتف الشمالي الشرقي لمصر. “كانت عادة ممرا للجيوش التي تلتقي على أرض وادي النيل أو على أرض وادي دجلة والفرات… وإذا أضفنا الأهمية الدينية إلى الأهمية الجغرافية، فإن الديانات السماوية الثلاث تنافست على السيطرة على فلسطين، اليهودية أولا، ثم المسيحية، ثم الإسلام، لأن فلسطين مرتبطة بمعتقدات هذه الديانات الثلاث، “”مما زاد الطين بلة””، ويقول في موضع آخر من نفس النص… إن القضية الفلسطينية لم تنته (ولن) تنتهي، خاصة وأن هناك شعبا متمسكا بأرضه وحقه في العودة إليها، ولكن موازين القوى وحالة العرب لا توحي بقدرتهم على تحرير فلسطين في المستقبل القريب. فلسطين قضية شعب اغتصبت أرضه”. ثم ينتقل الفأر، بحسب عنبتاوي، في النص المعنون “الإنسان والزيتون والدهنون”، إلى الحديث مطولاً وبألفة وشفافية مطلقة مرة أخرى عن فلسطين في النص الذي يكاد يكون معاكساً للنص السابق في الصفحة 82، فيقول: “فلسطين ليست اسماً يمكن محوه من الذاكرة، بل هي اسم وأرض وإنسان وقضية وهوية وزيتون ودهنون. والفلسطينيون ليسوا شعباً مظلوماً هاجر من أرضه، بل هم شعب وأمة قدمت دماء الشهداء ماءً لري تلك الأرض والحفاظ على تلك القضية وحماية ذلك الحق وإحياء الأمل في استعادة الهوية والزيتون والدهنون”. فلسطين قصيدة حزينة غناها العرب وهم غافلون… فلسطين قصيدة وأغنية ودبكة وملحمة وكوميديا ودراما في قلوب الفلسطينيين، من عاش على أرضها ومن لم يعيش… ويختم نصه بقوله: “فلسطين قضية وضمير للعالم الذي تخلى عنها من أجل مصالح استعمارية ضيقة وتافهة. وفي النهاية ستظل فلسطين تصرخ حتى يعود الحق إلى أصحابه، فقوة الحق أعظم بكثير من حق القوة”. والحقيقة أن رؤية الكاتب في هذا الكتاب عميقة ومتعددة ومعقدة، ولا يتسع الوقت لتغطية كل ذلك كما ذكرت، ولكنني أترك للكاتب أن يلقي الضوء على تلك الرؤية حتى نستفيد منها. يقول الدكتور جورج الفار: “لم أعتد أن أجد اهتماماً من النقاد بقراءة كتبي بعمق، وأعذرهم على ذلك، فالاهتمام يحتاج إلى تفانٍ ومتابعة وعمق، والظروف الحالية لا تسمح لهم بذلك. وما زلت متفائلاً كما كنت دائماً، وكنت أقول إنني سأستمر في الكتابة حتى لو لم تكن كتبي معروفة وموزعة على نطاق واسع، فسيأتي وقت يهتم فيه الجيل الجديد بكل ما يكتب بروح منفتحة وعقل فلسفي يبحث عن الحقيقة، انطلاقاً من الذات أو انطلاقاً من العالم. هناك جدل واسع حول مقولة سقراط “يا إنسان اعرف نفسك”، فكيف أعرف نفسي يا سقراط؟ هل أبدأ منها لأعرف العالم، أم أبدأ في معرفتي بهذا العالم وأعود لمعرفته؟ أليست الذات جزءاً من العالم.. فلماذا هذا الفصل التعسفي بين الذات والذات؟ في الواقع من الصعب التفريق بينهما، فكلما عرفنا أنفسنا أكثر عرفنا العالم، وكلما … “كلما عرفنا العالم، كلما عرفنا أنفسنا أكثر. وكما يقول هيجل العظيم: “هناك جدلية ثلاثية بينهما. فمثلاً هناك فرق واضح بين الفيلسوف وموضوعه، وهي الفلسفة. ولن يكون الموضوع والجدل صحيحين إلا إذا أصبح الفيلسوف فيلسوفاً. عندها تندمج الذات مع الموضوع والموضوع مع الذات”. يقول الفار: “بدأت متمرداً، ولكن مع مرور الوقت والسنوات، تغير موقفي من العالم. أصبحت متسامحاً ومتصالحاً مع العالم، وليس مع “هذا العالم المنافق بالذات”، لأنني أنظر إليه من منظور فلسفة التاريخ، التي تراه في عملية مستمرة وفي تغير وحركة مستمرين. صحيح أنني انفصلت عن القطيع وعنه، لأنني تمردت على كل من حاول اختطاف عقلي وغسل دماغي وتصنيفي في نظام ديني وحرماني من خيالي وإنسانيتي وحتى أخطائي. تمردت وطرت خارج سرب الطيور، لأغني وحدي”. وختم حديثه قائلاً: لقد أعددت في هذا الكتاب الأسئلة التالية: من صنعني هكذا ومن أين لي هذه الروح المتمردة؟ سألت جيناتي وأجدادي القدامى لماذا كنت مختلفاً وربما متميزاً عن إخوتي وأصدقائي ولماذا اخترت خيارات أخرى غريبة منذ صغري..؟ وحاولت الإجابة على هذه الأسئلة المهمة في هذا الكتاب. أنا لست محور العالم ولا أريد أن أضخم الأنا الفردية، ولكن كانت لدي رسالة من خلال هذا الكتاب للقراء والشباب وهي: “إن لك حياة واحدة تعيشها فلا تسمح للأيديولوجية أو الناس أن يأخذوها منك، ولا تكتف بالسطحي والتافه، واغوص في أعماقك لتستخرج الجوهرة من هناك، وابحث عن نفسك، واعرف العالم حتى تعرف نفسك، وتشبه ذاتك الأصلية، وليس ظلك”.
المنتديات تناقش كتاب “خرجت إلى القطيع” للدكتور جورج الفار
– الدستور نيوز