دستور نيوز

عمان – أصدر المركز العربي للدراسات كتاباً بعنوان “من عكا إلى تكساس – مذكرات قسطنطين أسعد صقلي 1861-1928″، حرره وعلق عليه تيسير خلف، يتضمن تدوين تواريخ العائلات الحريصة على الهوية العربية. يعد هذا الكتاب من الكتب النادرة في سيرة الفلسطينيين في القرن التاسع عشر، فقد جاء على شكل مذكرات كتبها قسطنطين أسعد صقلي، سجل فيها أحداث الفترة الممتدة من 1861-1928، حررها وعلق عليها تيسير خلف. كما تندرج هذه المذكرات ضمن أسلوب المؤرخ العائلي، إذ يوثق مؤلفها أحوال عائلة صقلي، ويتطرق إلى أصلها وجذور اسمها، ويلقي الضوء على أبرز الأحداث التي مرت بها عائلته ومحيطها؛ ويذكر قسطنطين أحوال الدولة العثمانية في سوريا عموماً، والجليل الفلسطيني خصوصاً، مع التركيز على عكا، في تلك الفترة، ويروي المناصب الإدارية المهمة التي تولاها الجيل الثاني من عائلته بعد صدور قانون الولايات العثمانية سنة 1864، حيث عملوا مترجمين وإداريين في مركز الدولة والمحافظات والقنصليات الأجنبية، مفضلاً بعض المشاريع، مثل: تشكيل فرقة الفرسان العثمانية، ومشاركتها في معرض شيكاغو الكولومبي الشهير، وشركة الرازي في طرابلس الشام، وكذلك مشروع حمامة الحمة الذي كان يديره شقيقه راجي صقلي. ولا يهمل توثيق اهتمامات ذلك الجيل من عائلته بالعمل الثقافي والمدني. كما يتناول قسطنطين صقلي ظروف الهجرة العربية المسيحية إلى أميركا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، متعمقاً في تجربة الهجرة هناك، وما رافقها من ظروف تعكس الوضع الاجتماعي والاقتصادي العام في تلك الفترة. قسطنطين صقلي كاتب وروائي سوري من أصل فلسطيني. درس الصحافة في كلية الآداب بجامعة دمشق، وعمل محرراً في الصحف والمجلات العربية، وباحثاً متفرغاً في مركز الشرق للدراسات بدمشق. يتألف الكتاب من عشرين فصلاً وخمسة عشر ملحقاً تدور حول مذكرات مسيحي فلسطيني مخضرم عاصر فترة السلطنة والتنظيمات، ويتناول فيها لمحات من حياته العائلية، وحياته الشخصية، ونجاحاته وهجرته، وظروف السلطنة في فترة الانتقال وحياة المسيحيين فيها، ويتطرق إلى هجرته وظروفها، وهموم العيش في أميركا، وبعض الحديث عن السياسة والجمعيات والقوانين الانتقالية والعلاقات العربية العثمانية. يقول محقق الكتاب تيسير خلف في مقدمة الكتاب إنه تعرف على مذكرات قسطنطين بن أسعد صقلي أثناء بحثه في المصادر الأولية أثناء تأليف روايته التاريخية “طيور داروين”. في هذه الأثناء نشر المؤرخ الأردني رؤوف أبو جابر نسخة من هذه المذكرات في كتابه “الصقلي: الانتماء الأصيل في شمال فلسطين”، وذكر أنه اعتمد عليها في كثير من تفاصيل كتابه، متبنياً فرضية الأصل الروسي لعائلة الصقلي، وهي فرضية غير صحيحة، بحسب خلف. وأوضح ذلك في دراسته لمخطوطة هذه المذكرات، التي أشارت إلى أن قسطنطين نقل هذه المعلومات عن حبيب بن خليل الصقلي، أحد أقاربه. ويقول المؤلف إنه حصل على صورة أوضح للمذكرات من أبي جابر، الذي حصل عليها من صديقه ميشيل سليمان الصقلي، “عندما بدأت في قراءة المخطوطة، اتضح لي أنها تحتوي على معلومات بالغة الأهمية عن أحوال الجليل الفلسطيني بشكل خاص، وولاية سوريا العثمانية بشكل عام. “كتبه شخص متعلم درس في أفضل مدارس المحافظة آنذاك (المدرسة الوطنية في بيروت، ومدرسة عين طورة في جبل لبنان)، وبدأ دراسة الطب في الكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً)، ثم عمل موظفاً كبيراً في شركة الرزي أو الريجي (شركة التبغ)، مديراً لمديريتي عكا وطرابلس، وعرضت عليه مديرية بغداد فرفضها، وساهم في العمل الثقافي والنقابي المدني إلى جانب شقيقه راجي، وخاصة في الجمعية الأدبية في عكا التي تحولت فيما بعد إلى جمعية لطائفة الروم الأرثوذكس لأسباب مختلفة”. وبالإضافة إلى كل هذا، تتضمن هذه المذكرات معلومات مهمة عن ظروف الهجرة العربية المسيحية إلى أميركا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي معلومات نادراً ما تقرأ عنها في مذكرات مهاجر عربي من تلك الحقبة، بهذه التفاصيل الواسعة، بحسب خلف، الذي يوضح أنه عندما بدأ التحقيق العلمي في هذه المعلومات، وجد معلومات بالغة الأهمية عن أحوال الجليل الفلسطيني والدولة العثمانية في سوريا، نقلها شخص مثقف للغاية درس الطب وساهم في العمل المدني والمجتمعي. ويتابع المؤلف: “سرد قسطنطين في مذكراته قصة أول فرقة مسرحية في فلسطين، وعدد المسرحيات التي قدمتها وأسمائها بين عامي 1880 و1883، ومعلومات مهمة عن ظروف الهجرة العربية المسيحية إلى أميركا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بتفاصيل مستفيضة قلما نجدها في مذكرات مهاجر عربي من ذلك الوقت. وقد كتب هذه المذكرات بين عامي 1926 و1928 باللغة العربية الفصحى التي تنتمي إلى أساليب التأليف السائدة في ذلك الوقت، ولذلك فإن نصها مليء بالصياغات البنيوية والإملائية التي لم تعد مستخدمة في لغتنا المعاصرة. وقد حافظ الباحث على صياغات قسطنطين إلى حد كبير، مثل استخدامه للغة التيسير بدلاً من الهمزة (الرياسة، الرائق، الفائقة، إلخ)، وبعض الكلمات العامية، مثل: “العوينات، الفرضة، الشختورة”، وكلمات ذات أصل تاريخي.”ثم يتحدث خلف عن مصادر قسطنطين في كتابة مذكراته، فيقول إنه اعتمد على ذاكرته وما سمعه من أبيه، ولذلك لم يتمكن من تحديد بعض التواريخ التي لم تسعفه ذاكرته فيها، فصحح المحقق بعض ذلك، وتحقق من بعض ما شك فيه قسطنطين حول حدوثه ونسبته وتاريخه من وثائق وكتب وصحف موثوقة، وتحقق في الهوامش من كثير من الأماكن والشخصيات التاريخية المذكورة في المخطوط، ثم أتبع المذكرات بنوعين من الملاحق: الأول للتقارير والمقالات الصحفية في ذلك الوقت، والثاني للوثائق العثمانية بنسختها الأصلية متبوعة بترجمات المحقق.” كما لم يعتمد قسطنطين على التسلسل الزمني في كتابة مذكراته، بل قسمها إلى أجزاء بأرقام تسلسلية، وتحت معظمها عنوان رئيسي ثم عناوين فرعية، فحولها إلى فصول بعنوان رئيسي لكل منها، باستثناء الفصل الثاني الذي أضاف إليه عنواناً أغفله قسطنطين. ويشير المؤلف إلى أنه بعد هجرة والد قسطنطين أسعد صقلي من الناصرة إلى حيفا بعد خروج قوات إبراهيم باشا نهائياً من سوريا عام 1841، عمل في مينائها في تجارة الحبوب، قبل أن ينتقل بعد عام 1865 إلى عكا، التي كان ميناؤها آنذاك منفذاً تجارياً لمنطقة حوران والمناطق المجاورة لها. وتوسعت تجارته، وجمع رأسمالاً كبيراً، واشترى مساحات شاسعة من الأراضي، بما في ذلك أحد بيوت حاكم عكا السابق عبد الله باشا. كما التزم بتجارة التجزئة وضرائب الأسماك المفروضة على الصيادين، وأصبح من الشخصيات المؤثرة في الجليل ومن أبرز الشخصيات الأرثوذكسية هناك. ويرى خلف أن هذه المذكرات تشير إلى الأصول الزراعية لآل صقلي، فهي تذكر العلاقة الطيبة التي كانت تربط أفرادها أثناء وبعد صعودهم المالي بمزارعي أراضيهم، ما يشير إلى ابتعادهم عن ممارسة التقاليد الإقطاعية مثل تلك التي شهدتها ريفا مصر وحلب على سبيل المثال. وتخبرنا المذكرات عن علاقة شبه عائلية بين والد قسطنطين وعمه صالح والمزارعين، ومشاركتهم في المناسبات الاجتماعية لكلا الطرفين، وتولي قسطنطين نفسه قضايا مزارعي القرى في منطقته عندما أصبح محامياً ضد فؤاد سعد أحد كبار ملاك الأراضي ونخب حيفا، فضلاً عن اتسامهم بالتعصب للعائلة ورابطة الدم والقرابة والتضامن العائلي والمبالغة في إظهار الحزم والكرم الحاتمي، وهي كلها صفات تشير إلى الأصول الزراعية التي نتحدث عنها. ويبين المؤلف أن المذكرات تتناول أيضاً اندماج أفراد العائلة الذين نالوا تعليماً عالياً في البيروقراطية العثمانية بعد صدور قانون الدولة العثمانية (1864)، كمترجمين في مركز الدولة والولاية والقنصليات، أو أعضاء في هياكل الدولة والولاية والمديرية الإدارية، أو مساهمين في تنفيذ توجيهات مدحت باشا بإنشاء العمل الجمعوي، حيث أسس راجي صقلي (شقيق قسطنطين) أول جمعية ثقافية في فلسطين سميت “جمعية الأدباء” (1880)، ومن رحمها ولدت أول فرقة مسرحية في فلسطين، وكان قسطنطين بطلها ونجمها الأول. ويشار إلى أن “جمعية الأدباء”، التي يشير اسمها إلى البعد عن الهوية الطائفية، سميت بعد عام من انطلاقتها باسم طائفي “جمعية الروم الأرثوذكس الخيرية”، وفي تغيير ثالث إلى “جمعية إغاثة الفقراء” النسائية. وفي المجال الثقافي يوضح خلف أن راجي صقلي كان له طموحات ثقافية، كما كان كثير من المثقفين الكبار أمثاله، كما ورد في المذكرات. وكان هذا الطموح أكبر من واقع مدنهم، ومن حجم الدولة السورية برمتها. ولا دليل على ذلك أفضل من مشروع راجي الكبير في تأسيس فرقة مسرحية كبيرة تمثل قصص الأبطال العرب في ميادين الخيل والملاعب الشاسعة، يشارك فيها مئات الفرسان من الفلاحين والبدو، ويصنع إكسسواراتها حرفيون من مدينة دمشق. وكانت هذه تجربة رائعة حظيت برعاية شخصية من السلطان عبد الحميد، حتى نالت اهتمام الجمهور الأميركي، الذي استقبل الفرقة الفلسطينية الضخمة في شيكاغو عام 1893. وبعد عودة راجي من أميركا عام 1894، حلم بإنشاء مجلة عربية ساخرة متخصصة في فن الكاريكاتير، لكنه لم يحقق حلمه إلا في القاهرة في بداية القرن العشرين.
“من عكا إلى تكساس” يجمع سيرة ذاتية نادرة لفلسطينيين في القرن التاسع…
– الدستور نيوز