دستور نيوز

وإذا صدق رواة التاريخ العربي فإن طارق بن زياد فاتح الأندلس وضع جيش الفتح الإسلامي بعد أن رست مراكبه على الشاطئ أمام خيارين: إما الموت غرقا أو القتال وتحقيق النصر، وهو حصل على ما يريد. ويتجسد هذا المشهد من جديد، إذ نشاهد المعارك المحتدمة بين رجال المقاومة الذين يخرجون من الأرض ليوجهوا بنادقهم وقذائفهم نحو مدرعات ودبابات الميركافا، فيحولونها إلى شعلة من اللهب، بينما يواجه أهل غزة التحدي. مدنيون بصدورهم العارية قنابل الفسفور الأبيض، وليس معهم إلا الله. والعزيمة والدم طلباً للشهادة أو النصر. إضافة للإعلان إن رجال المقاومة الأبطال يتقدمون في وجه العدو كجنود طارق، ورغم أن طارق بن زياد لم يكن سعيدا بانتصاره، بل قُدر له الذل والاعتقال على يد خليفة المسلمين، إلا أن التاريخ فعل ذلك. العدالة له والجبل الذي لا تهزه الريح لا يزال يحمل اسم جبل طارق، ويخلد اسمه في الجغرافيا والتاريخ. في هذا الزمن العربي السيئ، قد لا يسعد أهل غزة بانتهاء الاحتلال أو رفع الحصار عن أهلهم وموانئهم في غزة والعريش، لكن أبناءهم سينالون النصر والخلود والشرف، الدماء. والتي انسكبت على جنباتهم بكثرة نتيجة القصف الهمجي المجنون بقنابل يوم القيامة، وهي أشد شرا من قنبلة هيروشيما. التي ألقتها أمريكا عام 1945، ودولة الاحتلال تكررها على دفعات وتسقطها على رؤوس المدنيين والأطفال والنساء، دون أن يرف لها جفن حتى للسيد بايدن ووزيره بلينكن اللذين شاركا في مجلس الحرب الإسرائيلي تحت تصرف صحيفة معاريف الإسرائيلية، وها هو يستعد للعودة إلى المنطقة بكل وقاحة، ولعله يكرر مرة أخرى: لقد جاء إلى المنطقة كيهودي وليس كوزير خارجية أميركي. شباب غزة الذين كانوا سيموتون غيروا معادلة الأمثال. فالعين تقاوم المخرز، خاصة إذا كان المخرز في يد جبان ويسوقه الباطل. ورغم سقوط أكثر من عشرة آلاف شهيد وآلاف الجرحى من أبناء غزة، إلا أن انتصارهم الذي نقشوه على صفحة التاريخ الحديث، لن يمحى بدمار المنازل والمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس. ومهما حاولت إسرائيل تشويه إنجاز وإبداع 7 أكتوبر من خلال افتراءات قتل الأطفال واستهداف المدنيين، فقد تبين للجميع أن هذه مجرد أكاذيب لم تحدث. ومن أهم إنجازات عملية غزة إعادة الأمل بأن يكون لهذا الشعب عصب حي قادر على التخطيط والتنفيذ العسكري بكفاءة عالية لتحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، بالإضافة إلى أهداف أخرى منها: رمي صخرة كبيرة في البركة العربية الراكدة والراكدة، ووضع حواجز أمام الاندفاع العربي المتسارع. لتطبيع العلاقات مع العدو. وعلى المستوى الدولي، ورغم تواطؤ قيادات في أمريكا وأوروبا مع إسرائيل التي تعهدت بمشروع الإبادة الجماعية ضد أهل غزة، إلا أن المدنيين من أهل غزة أيقظوا العواصم العالمية وطرقوا بيد غليظة باب المجتمع الدولي والعالمي. الضمائر العربية، مذكّرة إياهم بحصارهم الجائر، وعروبة القدس، ووحشية الاحتلال، وخرجت مظاهرات بمئات الآلاف. وفي لندن وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تستنكر مجازر دولة الاحتلال وتصف بايدن بالقاتل. ينحني بلينكن رأسه أمام أيدي المتظاهرين الملطخة بالدماء، ويدرك أنه بدعمه المعلن لوحشية القصف والدمار والقتل، يقف وراء القضبان إلى جانب نتنياهو، “قاتل الأطفال” في إسرائيل. قاعة التاريخ أنها ستدينه لمشاركته في جريمة الإبادة الجماعية.
يا أهل غزة.. العرب من خلفكم والعدو من أمامكم (2)…
– الدستور نيوز