دستور نيوز

فاطمة تنّيس – (الإذاعة الوطنية العامة) 11/10/2023
ترجمة: علاء الدين أبو زينةليس من غير المألوف أن تندلع أعمال عنف بين إسرائيل ومقاتلي حماس في غزة. وعادة ما تسير الأمور على النحو الآتي: تطلق حماس الصواريخ عبر حدود غزة إلى داخل إسرائيل، والتي يتم اعتراض معظمها بواسطة “القبة الحديدية” -نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي المتطور للغاية. وعادة ما يتم تقليل التأثير إلى الحد الأدنى في إسرائيل. ثم ترد إسرائيل بشن غارات جوية على قطاع غزة المكتظ بالسكان.اضافة اعلانلكن ما حدث في الاشتباك الأخير كان غير مسبوق من حيث حجمه وتنسيقه. فقد هاجم المسلحون الفلسطينيون أبراج الاتصالات الإسرائيلية بالمتفجرات البدائية، واخترقوا السياج الحدودي بين غزة وإسرائيل في غضون دقائق وسيطروا على مجتمعات إسرائيلية عدة. وقفزوا بالمظلات عبر الحدود وأطلقوا النار على مشاركين في مهرجان موسيقي.قتلت حماس في الهجوم ما لا يقل عن 1.200 شخص واحتجزت العشرات كرهائن -كل ذلك بينما تأخر الجيش الإسرائيلي في الرد. وكان هذا الهجوم هو الأكثر فتكًا الذي شهدته إسرائيل منذ عقود.وفي ردها على ذلك، فرضت إسرائيل حصارًا قاسياً على غزة واستهدفتها بمئات الغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1.000 فلسطيني وتشريد أكثر من 200.000 شخص حتى كتابة هذه السطور. وقُطعت عن القطاع إمدادات الكهرباء والغذاء والوقود.في حديثه أمام رؤساء بلديات البلدات الحدودية الجنوبية التي ضربها الهجوم، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن رد إسرائيل “سيغير الشرق الأوسط”. وتم حشد القوات استعدادًا لغزو بري محتمل لغزة، وهو ما حدث آخر مرة في العام 2014 وأدى إلى مقتل ما لا يقل عن 2.000 فلسطيني، وأكثر من 70 على الجانب الإسرائيلي. ويشكل هذا أكبر تصعيد يشهده في السنوات الأخيرة الصراع المستمر منذ عقود بين الإسرائيليين والفلسطينيين.لكن الخبراء الذين يتابعون المنطقة عن كثب يشيرون إلى التطورات الرئيسية التي حدثت خلال العام الماضي في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، والتي مهدت الطريق لهذا الانفجار للعنف.انتباه إسرائيل تشتت بالاضطرابات السياسيةأعيد انتخاب نتنياهو قبل أقل من عام وشكل حكومة من خلال بناء تحالف مع القوميين المتطرفين والمحافظين المتدينين. وقال تال شنايدر، المراسل السياسي والدبلوماسي لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في حديث مع “الإذاعة الوطنية العامة”، إن تعيين نتنياهو لشخصيتين مثيرتين للجدل في حكومته أدى إلى تفاقم التوترات داخل السياسة الإسرائيلية.وقال شنايدر في إشارة إلى وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير: “لقد رشح شخصًا أدين ثماني مرات بالتحريض على العنف ضد العرب. هذا شخص محظور وخارج على القانون، وكان بالنسبة لنا، نحن الإسرائيليين، شخصًا لم يكن من المفترض أن يجلس في الحكومة. وقد جعله نتنياهو زعيمًا قويًا وشخصًا منخرطًا بشكل كامل في السياسة”.ودفع بن غفير، إلى جانب وزير المالية بتسلئيل سموتريش، من أجل بناء المزيد من المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة، مما أدى إلى تصعيد التوترات مع الفلسطينيين. وقال شنايدر: “كانت حكومة نتنياهو الحربية مختلة وظيفية بشكل كامل بوجودهما”.ثم جاءت خطة نتنياهو لإصلاح القضاء الإسرائيلي، التي تم تأجيلها وإنما ليس التخلي عنها، بسبب الدعم الذي تتلقاه من السياسيين اليمينيين المتطرفين. وجاء التأجيل بعد اندلاع احتجاجات حاشدة لأشهر عدة عندما رفض الإسرائيليون هذا الاقتراح الرامي إلى إضعاف المحكمة العليا في البلاد.وقال شنايدر: “إنهم يريدون تغيير توازن القوى في إسرائيل، والطريقة التي تعمل بها إسرائيل كدولة ديمقراطية. لقد ثار الناس هنا، وخاصة أولئك الذين يؤدون الخدمة الاحتياطية في الجيش. وقد خرجوا للتظاهر وأعلن بعضهم أنهم لن يخدموا بعد الآن في ظل ديكتاتورية. ولذلك، من الواضح أن الجيش كان ضعيفًا للغاية”. وأضاف شنايدر أن كل هذا الوضع أسهم في إدراك “حماس” أنها أصبحت في مواجهة إسرائيل أضعف.حماس تستجيب لليأس الفلسطينيمع وجود حكومة قومية متطرفة من أقصى اليمين ومحافظة دينياً أكثر من أي حكومة أخرى شهدتها إسرائيل في السلطة، رأت حماس فرصة مع تدهور الظروف بالنسبة للفلسطينيين -ليس فقط أولئك الذين يعيشون في غزة ويعانون من الحصار منذ 16 عاماً، ولكن أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية أيضاً، وفقًا لشبلي تلحمي، أستاذ أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند.وكان العام الماضي قد شهد تزايدًا في أعمال العنف بين المستوطنين الإسرائيليين والقرويين الفلسطينيين، مما أدى إلى نزوح مئات الفلسطينيين، وفقًا للأمم المتحدة. كما قامت الشرطة الإسرائيلية بشكل متزايد بتنفيذ مداهمات في مدن مثل جنين ونابلس، وفي مجمع المسجد الأقصى في القدس، وهو نقطة اشتعال دائمة في الصراع.وقال تلحمي: “هناك زيادة في عنف المستوطنين، والتعدي على القدس الشرقية، وهو أمر بالغ الحساسية في الحقيقة. الناس لا يفهمون مدى أهمية القدس بالنسبة للفلسطينيين وللكثير من الناس في العالم العربي والإسلامي. ولهذا السبب، في الواقع، أطلقت حماس على هذه العملية اسم “طوفان الأقصى”، في إشارة إلى الموقع المقدس في مدينة القدس. “لذلك، نحن نحاول التقاط هذا المزاج”.وأضاف تلحمي، الذي كان متواجدًا في الضفة الغربية في الأسبوع الذي سبق انفجار الصراع الجديد، أنه لاحظ اليأس التام الذي وصل إليه الفلسطينيون بعد 56 عامًا من الاحتلال الإسرائيلي.وأضاف: “في البداية، كان (الفلسطينيون) يعتمدون على بايدن لفعل شيء بعد ذهاب ترامب. لكن ذلك لم يحدث. ثم كانوا يعتمدون على الدول العربية للقيام بشيء. وبدلاً من ذلك، يحاول العرب والإسرائيليون صنع السلام من دونهم، بطريقة أو بأخرى”، على حد تعبيره.وأضاف تلحمي أن حماس، التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية منظمة إرهابية، ترى “فرصة سياسية مثالية لها، ولو بطريقة مروعة، لخلط الأوراق وإعادة ترتيب الأوضاع” وتحييد نفوذ السلطة الفلسطينية أيضًا في الضفة الغربية، بقيادة محمود عباس.نتنياهو مكَّن حماس على مر السنينثمة موضوع آخر أسهم في الوصول إلى هذه اللحظة، هو الطريقة التي تعامل بها نتنياهو مع حركة حماس على مدى السنوات التي قضاها في السلطة.وقال شنايدر: “لم تكن لديه سياسة واضحة ومباشرة، ومن الواضح أن رئيس الوزراء ينفي ذلك الآن بعد فوات الأوان. لكننا نعرف، كمراسلين صحفيين نتابع هذا الشان منذ سنوات عديدة. لقد أرادوا إضعاف السلطة الفلسطينية”.كان هدف نتنياهو، بحسب شنايدر، هو تجنب بناء دولة فلسطينية مستقبلية بأي ثمن. وقد فعل ذلك بالطريقة التي تعامل بها مع حماس، من خلال السماح للأموال بالتدفق إلى غزة التي تحكمها المجموعة، وعقد الصفقات معها من خلال مصر.وقال شنايدر: “من أجل تصغير محمود عباس وإهانته سياسيًا، قام نتنياهو بإعطاء حماس نوعًا من الميزة والنفوذ”.لا انتصار عسكريًا لأي من الجانبينبما أنه من المتوقع أن يتصاعد الصراع أكثر في الأيام المقبلة، فإن الاستراتيجيات طويلة المدى لكل من حماس وإسرائيل ما تزال غير واضحة.في الوقت الراهن، ترى حماس أنها صاحبة اليد العليا. وقال تلحمي: “إنهم يعتقدون أنهم قوضوا قوة الردع الإسرائيلية. وأظهروا أن إسرائيل أضعف مما تدعي”. وأضاف: “لقد أصبحوا أكثر شعبية في الدول العربية والإسلامية، ويمكنك أن ترى الناس وهم يتجمعون للإعراب عن الوقوف خلفهم في أماكن مثل المغرب، التي أقامت سلامًا مع إسرائيل مسبقًا، وكذلك الحال في مصر أيضًا”.ولكن، أصبحت قدرة حماس على البقاء والصمود في وجه الرد الإسرائيلي موضع شك بعد ذلك. ولكن، حتى مع تفوقها العسكري، لا يرى تلحمي وشنايدر أي استراتيجية عسكرية رابحة بالنسبة لإسرائيل.وقال تلحمي: “أعني أن الإسرائيليين يمكن أن ينتصروا ويدمروا حماس ويدمروا غزة. ثم ماذا؟ ثم ماذا؟”. وأضاف تلحمي أن إدارة بايدن، التي ركزت على التوسط في صفقة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، في حاجة إلى إعادة التفكير في نهجها هي أيضًا.وأضاف: “لو كنت في موقف إدارة بايدن، لكنت قد بدأت بالفعل في التخطيط وأنا أعرف أنه سيكون هناك طريق مسدود. حتى لو تحققت نتيجة عسكرية تنهي الجزء العسكري من الصراع، ستكون هناك حاجة إلى بعض من التحول السياسي الذي يكون دراماتيكيًا، أكثر بكثير مما كانوا يتوقعونه، وعليهم التخطيط لذلك الآن”.وقال شنايدر: “هذه الحرب ليست خارج إسرائيل. إنها في داخل إسرائيل. وأنا لا أتذكر شيئًا مثل هذا مطلقًا في التاريخ الحديث. يجب أن أقول لكم إننا نخسر وقتًا كبيرًا. وهم يخسرون وقتًا كبيرًا. إنها دائرة شرسة؛ حلقة مفرغة من الدماء التي لا نهاية لها في الأفق المنظور. إنه موقف يخسر فيه الجميع تمامًا. وهو شيء مروع فحسب”.*فاطمة تنيس Fatma Tannis: صحفية في مجموعة “الإذاعة الوطنية العامة” الأميركية.*الإذاعة الوطنية العامة National Public Radio: هي منظمة إعلامية أميركية غير ربحية مقرها في واشنطن العاصمة، ويقع مكتب القسم الرئيسي الغربي لها في كولفر سيتي، كاليفورنيا. وهي بمثابة نقابة وطنية لشبكة تضم أكثر من 1.000 محطة إذاعية عامة في الولايات المتحدة.*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Why Hamas and Israel reached this moment now — and what comes next
لماذا وصلت حماس وإسرائيل إلى هذه اللحظة الآن -وماذا سيأتي تالي… – الدستور نيوز