.

حرفيون يتشبثون بمهن تراثية لإحياء ذاكرة المكان في مادبا…

حرفيون يتشبثون بمهن تراثية لإحياء ذاكرة المكان في مادبا…

دستور نيوز

 يتمسك حرفيون في مدينة مادبا بالعديد من المهن اليدوية والتراثية لحمايتها من الاندثار، باعتبارها تشكل جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المدينة، لتبقى صامدة أمام كل التغييرات التي تطرأ على العالم، ومن هذه الحرف التي ما تزال صامدة: السمكرة (تصليح بوابير الكاز)، تصليح أجهزة التلفزيون والراديو وماكينات الخياطة القديمة والحديثة، صناعة الفرو، صناعة الفسيفساء، تنجيد المفروشات، وغيرها من هذه الحرف التي لاقت رواجاً في عقود زمنية متعددة في المدينة.اضافة اعلان
ولا يغفل عن الجيل الجديد في مادبا الدراية الكافية بأهمية هذه الحرف التقليدية والمقتنيات التراثية واللوحات التي تزين البيوت والمطاعم السياحية وتعطيها نكهة خاصة تميزها عن البيوت، مثل: حياكة البسط ولوحات الفسيفساء التي تخلق شكلا مميزا، وتثبيتها على الأرضية أو الجدران لتعطي المكان هيبة ورونقاً خاصاً وهوية مختلفة للمدينة.
وفي الشارع السياحي الذي يعد ضمن مسار مادبا التراثي، مقصداً رئيساً للسياح، بنقاط جذب كبيرة، يلتمس الزائر والسائح عبق التاريخ لوجود مواقع أثرية وسياحية في المدينة، من أبرزها: مركز زوار مادبا، معهد مادبا لفن وترميم الفسيفساء، حديقة مادبا الأثرية، جامع الراحل الحسين بن طلال، كنيسة سان جورجس “الخارطة”، سوق مادبا القديم، تل مادبا الأثري، كنيسة يوحنا المعمدان، متحف مادبا للحياة الشعبية، وكنيسة الرسل؛ إضافة إلى أن الشارع محطة التقاء لمئات الزوار يوميا، ونقطة بيع العديد من المنتجات في محال بيع التحف الشرقية والبازارات ومشغولات الفضة ومشاغل صناعة لوحات الفسيفساء والنول، إلى جانب توفر المطاعم السياحية والشعبية.
وفي محل لحياكة البسط في الشارع السياحي، يواظب السبعيني وديع المعاعية على عمله، محافظاً على هذه الحرفة التي ورثها عن والده، رغم التطور الذي تشهده هذه الحرفة، إلا أنه ما يزال صامداً أمام كل التحديات التي تواجه هذه المهنة، وفق ما قال: “مضيت في هذه المهنة أكثر من خمسة عقود، وما أزال أعمل بها لأنني ورثتها عن والدي الذي علمها لأشقائي”، معتبراً أنه يشعر بالمتعة أثناء عملية حياكة البسط، وخصوصاً عندما يأتي السياح الأجانب للاطلاع أثناء حياكة البساط على النول.
كما تنتشر في الشارع ذاته العديد من مشاغل صناعة الفسيفساء الحجرية التي تتميز بها مدينة مادبا، لكثرة الأرضيات الفسيفسائية التي تزين الكنائس وبيوت مادبا القديمة.
وفي شارع الشهيد محمد هويمل الزبن، تقع على جنباته مطحنة “الصناع” التي تحمل في حناياها العديد من حكايات الإرث التراثي التي تروي تاريخ هذه المنطقة العتيقة، بوصفها المطحنة الوحيدة التي تقدم خدماتها لأهالي المنطقة، والقرى المحيطة بها.
فما يزال صوت حجر الرحى يعلو من بين حنايا جدران البابور الذي يحرك حجارتها العتيقة، في سيمفونية تراثية يسمع لحنها وهي تعمل كي يبقى الإرث الإنساني حياً، ولتتحول بعد عشرات السنين من بنائها، إلى موقع أثري تراثي يقصده السياح الأجانب، كما يقصدها الكثير من المزارعين والقرويين.
إذ يقصدها المزارعون والقرويون “الصناع” لطحن أو جرش حبوب الذرة والقمح، ليحصلوا على “البرغل” و”الدقيق”، وهما المادتان الرئيسيتان في غذاء سكان القرى المجاورة.
وفي الشارع ذاته، ما يزال أبو رياض صالح أبو قار، الذي يلامس الستينيات من العمر، أقدم مصلح بوابير الكاز في مدينة مادبا، يعمل بهمة ونشاط في محله الذي أنشأه في بداية السبعينيات من القرن الماضي.
ويؤكد إصراره على عدم هجر هذه المهنة، مهما كان مردودها المادي، ويشهد محله في هذه الأيام خاصة، إقبالا كبيرا، من قبل المواطنين الذين يقبلون عليه لتصليح الصوبات التي تقيهم من برد الشتاء القارس، ويعمل في محل أبو رياض ابنه البكر رياض وأربعة مهنيين، وهو الذي علمهم المهنة.
ويطالب الجهات المختصة بدعم الحرفيين من أجل إنقاذ الحرف القديمة، لأنها تشكل جذور المجتمع، مؤكداً: “من أجل الحفاظ على هذه المهن والحرف اليدوية من الانقراض، فإنني أحاول من خلال محلي إعادة بناء جيل جديد وتأهيله لمواصلة الحفاظ على التراث والحرف اليدوية التي ورثناها عن أسلافنا”.
ويرى حرفيو تصليح ماكينات الخياطة القديمة بضرورة المحافظة على هذه الحرفة من الاندثار من خلال تعليمها في مراكز التدريب المهني، لأن هذه الماكينة أضحى لها رواج كونها من المقتنيات والأنتيكات القديمة لدى محبي جمع التراثيات والمقتنيات والأنتيكات القديمة، وهي جزء من ديكور المنازل والمطاعم والمقاهي السياحية.
وأكد أحمد شبوان الذي يعمل في مهنة تنجيد مفروشات العرائس، أن هذه المهنة تراثية ومرتبطة بالحالة الاجتماعية، يجب المحافظة عليها كجزء من السيرة الذاتية المدونة لمادبا، لما تشكله من ذاكرة الناس، مبدياً تخوفه من تلاشي هذه المهنة التراثية التي تربطه بذكريات جميلة.
وفي شارع سوق وسط مدينة مادبا التجاري “العتيقة”، يقع مشغل عودة العمارات، لتصليح أجهزة التلفزيون والراديو بأنواعها كافة، رغم اندثار هذه المهنة في ظل التقدم التكنولوجي الذي يشهد قفزة سريعة في القطاع السمعي والبصري.
“أبو يزن” الذي امتهن مهنة صيانة وتصليح أجهزة التلفزيون والراديو، أكثر من أربعة عقود، ما يزال شغفه للعمل، وما يزال يقطن قلبه، محتفظاً بقطع نادرة وثمينة داخل محله الذي يزيد عمره على ثلاثة عقود، مثل أجهزة اللمبات التي انقرضت، وبعض الأجهزة القديمة الأخرى، ويقول “هذا المحل يحمل في ثناياه ذكريات أجيال متعددة من أبناء هذه المدينة وقراها”.
ويعمل فوزان الحوارني منذ ما يزيد على أكثر من ثلاثة عقود، في مهنة تصليح الساعات القديمة والحديثة في محله الكائن في شارع الملك عبد الله الأول (العشاق) في وسط مدينة مادبا.
ووصف المهنة بالعالم الجميل، وبالوقت ذاته تحتاج إلى مثابرة وجهد وتركيز ودقة، وللمحافظة على مثل هذه المهن القديمة من الاندثار، يتطلب من المراكز والمعاهد تعليمها للأجيال الجديدة.
وفي المنطقة الشرقية، يقع محل إبراهيم الفرواتي لصناعة (الفروات)، الذي مارس هذه الحرفة منذ أكثر من أربعين عاما وما يزال يسعى لإبقائها حاضرة لأنها جزء من التراث، بحسب ما قال.
ويؤكد خياطو اللباس العربي للرجال والنساء، أهمية الحفاظ على هذا الموروث الذي تشتهر به مادبا وجوارها من خلال إدخالها منظومة المسارات السياحية والتراثية والمعارض والمهرجانات التي تقام في مادبا.
ومن جانبه، يشير رئيس جمعية تطوير السياحة والحفاظ على التراث في مادبا سامر الطوال، إلى أهمية الحرف التقليدية والتراثية والحفاظ عليها من الانقراض، كإحدى مهام وأهداف الجمعية، ما أسهم في تشجيع الحرفيين على الاستمرار في المهنة، وإنعاش هذه الحرف التي شكلت جزءا مهما في حياة الناس على مدى السنين.
وبدوره، يؤكد مدير مديرية سياحة مادبا وائل الجعنيني، أن وزارة السياحة والآثار تولي اهتماما بالغا للحرف اليدوية، وتدعمها من خلال إقامة المهرجانات والمعارض التي تقيمها سنويا، من أجل إبراز المنتج أمام السياح للاطلاع على أهم الحرف اليدوية التي تشتهر بها مادبا مثل: البساط ولوحات الفسيفساء، مشيرا إلى أن أغلب المواقع التي توجد فيها مشاغل الحرف اليدوية تدخل ضمن المسارات السياحية، كما تقوم الوزارة بإعطاء رخص لمشاغل الحرف التقليدية واليدوية كجزء من مهامها للحفاظ على هذه الحرف.

حرفيون يتشبثون بمهن تراثية لإحياء ذاكرة المكان في مادبا… – الدستور نيوز

.