.

اراء و اقلام الدستور – جوزف عون في واشنطن: عندما تتحول الفرصة الدولية إلى مسؤولية داخلية

سامر الشخشيرمنذ 6 دقائق
اراء و اقلام الدستور – جوزف عون في واشنطن: عندما تتحول الفرصة الدولية إلى مسؤولية داخلية


دستور نيوز

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى واشنطن مجرد محطة عابرة في مسار العلاقات اللبنانية الأميركية. بل جاء في لحظة سياسية دقيقة فتحت نافذة فرصة حقيقية للبنان، وفي الوقت نفسه وضعت البلد أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرته على استعادة دوره وتعزيز حضوره داخليا وخارجيا.

اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أتاح للرئيس عون إبراز خصوصية النموذج اللبناني القائم على التعددية السياسية والطائفية والثقافية، وهي التعددية التي كانت على مر التاريخ مصدر ثروة وانفتاح للبنان، لكنها تحولت في مراحل معينة إلى عنصر ضعف عندما استخدمت لتعميق الانقسامات بدلا من تعزيز الشراكة الوطنية.

وفي هذا السياق، لا تقتصر الأولوية على الاستفادة من الاهتمام الدولي بلبنان، بل على تحويل هذا الاهتمام إلى مسار عملي يعزز التوافق الداخلي، ويدعم مؤسسات الدولة، ويعيد تكريس حضوره كمرجع أساسي لكل اللبنانيين.

واكتسبت زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض أهمية خاصة، إذ إنها الزيارة الأولى لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ لقاء الرئيس السابق ميشال سليمان بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2009.

وعقد اللقاء في وقت حساس تمر فيه المنطقة بمرحلة إعادة رسم المشهد الجيوسياسي والعسكري، وسط تصاعد التوترات الأمنية وتكثيف الجهود الدولية لاحتواء التصعيد وإرساء أسس الاستقرار.

وفي هذا السياق، يكتسب لبنان أهمية خاصة باعتباره ساحة يمكن أن يساهم استقرارها في تعزيز أمن المنطقة والحد من تداعيات الأزمات القائمة.

وعكس الموقف الأميركي اهتماماً واضحاً بلبنان، لا سيما من خلال التأكيد على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته باعتباره مؤسسة وطنية شاملة قادرة على حماية الحدود وتعزيز سلطة الدولة والحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما تناولت المحادثات مسار “اتفاق الإطار” المتعلق بالوضع في الجنوب، وما يتضمنه من ترتيبات تهدف إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، تمهيداً لمرحلة تستعيد فيها الدولة دورها الكامل في إدارة شؤونها السيادية.

من جهة ثانية، أكد الرئيس عون أن الهدف اللبناني الأساسي هو تحقيق الاستقرار الدائم الذي يحفظ سيادة لبنان، ويؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وبالتالي استعادة حق الدولة الطبيعي في حماية حدودها ومصالحها.

لكن الاستقرار في الجنوب لا يمكن أن يتحقق من خلال الترتيبات الأمنية وحدها، إذ أن أي علاج جدي يجب أن يشمل الناس والمجتمع والمناطق التي عانت من آثار الحرب.

إن إعادة إعمار المناطق المتضررة وضمان عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم ليست مجرد قضايا إنسانية، بل هي جزء أساسي من تثبيت الاستقرار، ومنع استمرار عوامل التوتر، وتعزيز تمسك المواطنين بدولتهم.

إن الجنوب الذي دفع أثماناً باهظة خلال سنوات النزاع، يحتاج إلى رؤية متكاملة تعيد له الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتفتح آفاقاً جديدة لأبنائه.

ومن هنا، فإن أي تفاهم سياسي أو أمني مستقبلي يجب أن ترافقه خطة واضحة لمرحلة ما بعد المواجهة، تشمل إعادة الإعمار ودعم المجتمعات المحلية وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية، بما يضمن أن تكون الدولة المرجعية الأولى لكل اللبنانيين.

فالاستقرار الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يستمر دون استقرار اقتصادي واجتماعي يعيد الثقة للمواطنين ويفتح الباب للاستثمارات وفرص العمل.

وفي هذا السياق، لا ينظر المجتمع الدولي إلى لبنان فقط من منظور المساعدات أو التعامل مع الأزمات الطارئة، بل من خلال ضرورة إنشاء مؤسسات قادرة على تحمل مسؤولياتها، واقتصاد قادر على التعافي، وقرار سياسي واضح يسمح للدولة بممارسة دورها الطبيعي.

أشار رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى اهتماماً بالاستثمار في لبنان، مشيراً إلى احتمال عقد مؤتمر اقتصادي في الولايات المتحدة، ما قد يفتح المجال لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

لكن نجاح أي انفتاح خارجي يبقى مرتبطاً بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وتأمين بيئة سياسية مستقرة وتعزيز الشفافية وحماية الاستثمارات ضمن إطار قانوني واضح.

التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على الدعم الدولي، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تحويل هذا الدعم إلى مشروع وطني يعيد إطلاق الاقتصاد، ويعزز دور المؤسسات، ويمنح الشعب اللبناني الثقة بمستقبل بلده.

أثبتت السنوات الماضية أن الأزمة اللبنانية ليست أزمة موارد وإمكانيات فحسب، بل هي أزمة ثقة مرتبطة بضعف الإدارة وتأخر الإصلاحات والانقسامات السياسية التي أعاقت قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المطلوبة.

ومن هنا يبقى القرار اللبناني الداخلي هو العامل الحاسم في نجاح أي مسار مستقبلي.

ومهما بلغت أهمية الدعم الخارجي، فإنه لا يمكن أن يحل محل الدولة اللبنانية، ولا تستطيع أي قوة دولية أن تبني دولة إذا لم تكن هناك إرادة داخلية حقيقية لبنائها.

يستطيع المجتمع الدولي أن يفتح الأبواب ويقدم الدعم، لكنه لا يستطيع أن يأخذ القرار بدلاً من اللبنانيين.

وفي هذا السياق، لم تحظ زيارة واشنطن بإجماع سياسي كامل داخل لبنان، إذ تباينت المواقف بشأنها وحول الملفات المتعلقة بها، لا سيما «اتفاق الإطار» المتعلق بالجنوب.

وهناك من يرى أن هذا المسار قد يشكل فرصة لإنهاء مرحلة طويلة من المواجهات والانتقال إلى مرحلة تستعيد فيها الدولة دورها الكامل في إدارة شؤونها السيادية، فيما يتحفظ آخرون على بعض جوانبه، خاصة على صعيد طبيعة المسار التفاوضي وحدوده السياسية.

لكن جوهر الحديث يتجاوز تفاصيل أي اتفاق، ليصل إلى القضية الأساسية: هل يستطيع لبنان إعادة تأسيس الدولة كسلطة وحيدة في القرار السيادي؟

وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة بمثابة مرحلة مهمة لإعادة تعريف العلاقة بين القوى السياسية اللبنانية والدولة، في ظل تحولات إقليمية قد تفرض مقاربة جديدة لدور المكونات اللبنانية المختلفة ومستقبل القرار الوطني.

ومن هنا يطرح السؤال حول الدور السياسي للبيئة الشيعية في المرحلة المقبلة: هل ستكون الساحة الشيعية إحدى ساحات الحراك السياسي الأساسية في لبنان، كما كانت الساحة المسيحية في مرحلة التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989، وكما لعبت الساحة السنية دوراً محورياً في مرحلة المطالبة بانسحاب الجيش السوري بعد عام 2005؟

لقد أظهر التاريخ السياسي اللبناني أن التحولات الكبرى كانت في كثير من الأحيان مرتبطة بحركة داخلية نشأت من إحدى البيئات السياسية الأساسية، قبل أن تتحول إلى مسار وطني أوسع.

لكن أي تحول سياسي لا يكتسب قيمته الوطنية إلا عندما يتجاوز حدود البيئة التي انطلق منها، ويتحول إلى مشروع شامل يشمل كل اللبنانيين. المطلوب ليس إعادة إنتاج انقسامات جديدة، بل إعادة صياغة علاقة كافة المكونات بالدولة على أساس الشراكة والاحترام المتبادل والسيادة المؤسسية.

إن نجاح زيارة واشنطن لن يقاس فقط بحجم الاجتماعات التي عقدت أو البيانات الصادرة خلالها، بل بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ خطوات عملية: تعزيز الجيش، واستقرار الجنوب، وإعادة بناء المناطق المتضررة، وتأمين عودة النازحين، وإطلاق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية اللازمة.

والاختبار الحقيقي للبنان ليس في الحصول على الدعم الدولي، بل في القدرة على استخدام هذا الدعم لبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها والحفاظ على سيادتها واستعادة ثقة العالم بها.

بين المراحل السابقة التي ارتبط فيها الوجود الأميركي في لبنان بإدارة الأزمات واحتوائها، والمرحلة الحالية التي تحمل فرصاً جديدة، تبدو المسؤولية اليوم أكبر: أمام لبنان فرصة للانتقال من انتظار الحلول الخارجية إلى بناء مؤسساته واستعادة دوره.

لكن الدول لا تبنى بالدعم الخارجي وحده.

ويمكن للعواصم الكبرى أن تفتح الأبواب وتقدم الدعم، لكنها لا تستطيع تشكيل مستقبل البلدان لشعوبها.

زيارة واشنطن أعادت لبنان إلى واجهة الاهتمام الدولي، وفتحت له نافذة سياسية قد لا تتكرر بسهولة. لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يبقى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، من خلال تجاوز الخلافات، وتعزيز المصلحة الوطنية، والالتفاف حول مشروع الدولة القوية والعادلة.

في النهاية، قد يمنح المجتمع الدولي لبنان فرصة، لكنه لا يستطيع توحيد اللبنانيين أو بناء دولتهم نيابة عنهم. تبنى الأوطان بإرادة شعوبها، وتصانها وحدة مؤسساتها، ومستقبلها يُكتب عندما تكون المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات.

وإذا كانت زيارة واشنطن فتحت نافذة أمل للبنان، فإن تحويل هذا الأمل إلى إنجاز حقيقي يبقى مسؤولية لبنانية أولا وقبل كل شيء.

ديفيد عيسى

#جوزف #عون #في #واشنطن #عندما #تتحول #الفرصة #الدولية #إلى #مسؤولية #داخلية

جوزف عون في واشنطن: عندما تتحول الفرصة الدولية إلى مسؤولية داخلية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – جوزف عون في واشنطن: عندما تتحول الفرصة الدولية إلى مسؤولية داخلية

المصدر : www.elsharkonline.com

.