.

اراء و اقلام الدستور – رؤية للتكامل الاقتصادي العربي بعد عام 2003 والعراق كمركز للتعاون الإقليمي

سامر الشخشيرمنذ دقيقتان
اراء و اقلام الدستور – رؤية للتكامل الاقتصادي العربي بعد عام 2003 والعراق كمركز للتعاون الإقليمي


دستور نيوز

بقلم الدكتور إياد علاوي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق

بعد عام 2003، شهد العراق تحولاً سياسياً كبيراً، أجبره على إعادة التفكير في موقعه ودوره ضمن محيطه العربي والإقليمي. ومنذ توليت رئاسة الوزراء عام 2004، بعد انتخابي بالإجماع من قبل مجلس الحكم العراقي الذي ضم معظم القوى السياسية التي شاركت في إنهاء النظام الدكتاتوري، اقتنعت بأن استقرار العراق لا يمكن تحقيقه بالوسائل الأمنية وحدها، بل من خلال بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية مع الدول العربية ودول الجوار، مما يجعل التعاون الاقتصادي ركيزة من ركائز الاستقرار السياسي والأمني.

وانطلاقاً من هذه الرؤية عملنا على تطوير مشروع استراتيجي يهدف إلى تحويل العراق إلى مركز للتكامل الاقتصادي العربي، مستفيداً من موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية، ليكون حلقة وصل بين الخليج والمشرق وتركيا وأوروبا، بما يخدم مصالح العراق والمنطقة برمتها.

وكانت المملكة الأردنية الهاشمية في طليعة الدول التي سعينا معها إلى إقامة شراكة استراتيجية، حيث اقترحت مشاريع لإنشاء شركات مشتركة للتنقيب عن الغاز في غرب العراق وشرق الأردن، بالإضافة إلى تطوير نظام متكامل للطاقة يشمل إنشاء مصفاة نفط كبيرة وربطها بشبكات السكك الحديدية وخطوط الأنابيب الممتدة إلى ميناء العقبة، وبالتالي تحويل الأردن إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم الاقتصادين العراقي والأردني ويعزز حركة التجارة العربية. كما تضمنت الرؤية إقامة تعاون في مجالات الصناعات العسكرية بما يعزز الأمن المشترك ويخدم المصالح الاستراتيجية للبلدين.

وفي السياق نفسه، ظهرت فكرة إنشاء شركة نفطية مشتركة للإشراف على إدارة الموانئ وخطوط تصدير النفط، مع دراسة البدائل اللوجستية التي من شأنها توسيع موانئ العراق البحرية وتمنحه مرونة أكبر في تصدير موارده.

أما على الساحة اللبنانية، فقد تم الاتفاق مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وبحضور وفدين رسميين من حكومتي البلدين، على مشروع استراتيجي يقوم على إنشاء محور نفطي يجعل لبنان بوابة العراق الاقتصادية إلى البحر الأبيض المتوسط ​​والأسواق العالمية، مستفيدا من موقعه وانفتاحه الاقتصادي، فيما يوفر العراق قاعدة الإنتاج النفطي لهذا المشروع. وكان من المخطط أن يمر خط أنابيب بانياس عبر الأراضي السورية، مما يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة لسورية ويجعلها شريكا رئيسيا في نظام الطاقة الإقليمي.

وتعزيزاً لهذا التوجه، اقترحنا إنشاء شركات عراقية سورية لبنانية مشتركة لإدارة حركة المنتجات النفطية وغير النفطية عبر الموانئ والمعابر البرية، إضافة إلى دراسة استئجار ميناء لبناني ليكون منفذاً تجارياً إضافياً للعراق على البحر الأبيض المتوسط. كما كلفت وزير الداخلية آنذاك الأخ فلاح النقيب بمتابعة هذا الملف انطلاقا من قناعتنا بأن هذا المشروع سيحقق مصالح اقتصادية مشتركة للعراق وسوريا ولبنان. وقد لقي هذا الاقتراح ترحيبا واسعا خلال الاجتماعات الرسمية.

وامتدت الرؤية إلى جمهورية مصر العربية، حيث جرت المناقشات بشأن إنشاء مصنع أولي للبتروكيماويات يوجه إنتاجه إلى أسواق جنوب أفريقيا وجنوب آسيا، بما في ذلك الهند وباكستان، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة للثروة النفطية العربية وتوسيع أسواق التصدير.

وخلال زيارتي للقاهرة، ناقشت هذه الأفكار مع الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، الذي أبدى اهتماما كبيرا بالمشروع ورأى فيه فرصة لتعزيز العمل الاقتصادي العربي المشترك، رغم الظروف التي كانت تمر بها المنطقة في ذلك الوقت.

أما تركيا، فقد تركزت المباحثات على تطوير مشاريع الغاز الطبيعي في منطقة جيهان وتحويلها إلى مركز إقليمي لتصدير الطاقة، مما يسهم في تعويض العراق عن جزء من الخسائر التي لحقت بقطاعه النفطي وإقامة شراكة اقتصادية طويلة الأمد بين البلدين.

كما اقترحت مع دولة الكويت مشروع مد خطوط أنابيب الغاز من جنوب العراق إلى الكويت، استنادا إلى الاحتياطيات الكبيرة التي يمتلكها العراق من الغاز الطبيعي، بما يحقق المنفعة الاقتصادية المتبادلة ويقيم علاقات مبنية على المصالح المشتركة. وكنت قد أرسلت الأخ ليث الشيخ قادر رحمه الله لمناقشة هذا المشروع، وقد أكدت الكويت بقيادة المرحوم صباح الأحمد رحمه الله دعمها لهذا المشروع.

وفي السياق الأوسع، تضمنت الرؤية إنشاء نظام اقتصادي إقليمي يضم العراق، والأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، والكويت، وتركيا، مع فتح المجال أمام التعاون الاقتصادي مع فلسطين من خلال مشاريع نقل النفط والمشتقات النفطية، مما سيسهم في دعم الاقتصاد الفلسطيني، وتعزيز الترابط الاقتصادي العربي، وخلق بيئة أكثر استقرارا لتحقيق السلام العادل والشامل.

ولم تتجاهل هذه الرؤية أهمية الانفتاح على إيران، إذ طرحت مشاريع للتعاون في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، بالتوازي مع السعي لانضمام العراق إلى منظومة مجلس التعاون الخليجي، انطلاقا من القناعة بأن العراق يمثل ركيزة أساسية في منظومة أمن واستقرار الخليج.

لكن هذه الرؤية قامت في الأساس على إعادة العراق إلى عمقه العربي عبر شبكة من المصالح الاقتصادية المتبادلة، وهو ما لم يلق ترحيباً من بعض القوى الإقليمية. أدركت إيران أن إنشاء عراق قوي مرتبط اقتصاديا بالعالم العربي سيحد من قدرتها على توسيع نفوذها، ولذلك اتجهت إلى دعم مسارات بديلة، أبرزها تعزيز مشروع الربط عبر ميناء بندر عباس وشبكات السكك الحديدية المرتبطة به، بما يخدم رؤيتها الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، شهدت المباحثات مع دولة الإمارات العربية المتحدة الاتفاق الكامل على كافة هذه المشاريع، وأبدى الأشقاء في الإمارات استعدادهم للمشاركة في تنفيذها. كما اقترحت أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة شريكاً رئيسياً في مشروع الميناء الكبير في العراق، نظراً لخبرتها الواسعة في إدارة الموانئ والاستثمار في البنية التحتية.

وفي هذا السياق، اتصلت برئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وطلبت منه دعم تشكيل شراكة تضم ثلاث دول لديها الخبرة والقدرة السياسية والمالية لإنجاز هذا المشروع: بريطانيا بثقلها السياسي، وهولندا بتجربتها العالمية في بناء الموانئ والسدود، والإمارات العربية المتحدة بإمكاناتها الاستثمارية الكبيرة. وأبدى السيد بلير موافقته الفورية على هذه الرؤية، وتم التوقيع على مذكرة تفاهم بين الدول الأربع، إلا أن المشروع لم ير النور.

ورغم أن هذه المشاريع حظيت باهتمام عدد من القادة العرب آنذاك، إلا أنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب تعاقب الحكومات العراقية، وحالة الاستقطاب التي شهدها العالم العربي، فضلا عن النفوذ الإيراني المتزايد، الذي حال دون إنشاء نظام عربي متكامل يكون العراق مركزا اقتصاديا له. واليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين من طرح هذه الرؤية، تبدو الظروف الإقليمية أكثر ملاءمة لإحيائها من جديد. وتشهد المنطقة توجها متزايدا نحو مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة والنقل، ويمتلك العراق القدرات الجغرافية والاقتصادية والبشرية التي تؤهله ليكون مركزا إقليميا للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية. ومن هنا، فإن أمام الحكومة العراقية الحالية فرصة تاريخية لإطلاق هذه المشاريع الاستراتيجية، إذا تبنت رؤية طويلة المدى تقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل والطاقة، وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية ودول الجوار على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

إن مستقبل العراق لا يبنى بالعزلة، بل بالانفتاح والتكامل. وما زلت أعتقد أن الاقتصاد هو اللغة المشتركة القادرة على تجاوز الخلافات السياسية، وأن تحويل العراق إلى مركز للتعاون الاقتصادي العربي والإقليمي سيشكل أحد أهم الضمانات لتحقيق الاستقرار وتعزيز التنمية وترسيخ السلام والازدهار في المنطقة برمتها.

د. إياد علاوي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق

#رؤية #للتكامل #الاقتصادي #العربي #بعد #عام #والعراق #كمركز #للتعاون #الإقليمي

رؤية للتكامل الاقتصادي العربي بعد عام 2003 والعراق كمركز للتعاون الإقليمي

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – رؤية للتكامل الاقتصادي العربي بعد عام 2003 والعراق كمركز للتعاون الإقليمي

المصدر : www.elsharkonline.com

.