دستور نيوز
شفيق طاهر
الأربعاء 22 يوليو 2026 – 13:16
المصدر: المدن
في مانشستر، الثقافة ليست نشاطًا بعد العمل، ولكنها طريقة للعمل ورؤية العالم. فمن مصانع الثورة الصناعية إلى نوادي الموسيقى، ومن ملاعب كرة القدم إلى استوديوهات التلفزيون، أصبحت المدينة معتادة على مواجهة أزماتها من خلال إعادة اختراع نفسها. واليوم، تصل هذه الروح إلى مكتب رئيس الوزراء، بعد أن أصبح آندي بورنهام رئيساً لوزراء بريطانيا، خلفاً لكير ستارمر.
يجلب بورنهام إلى داونينج ستريت خبرته التي اكتسبها خلال السنوات التسع التي قضاها كعمدة لمدينة مانشستر الكبرى. وقد تعهد بمعالجة تكاليف المعيشة المرتفعة، وإصلاح الرعاية الاجتماعية، وإنهاء التشرد المزمن، وإحياء الصناعة، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع. إنها محاولة لنقل ما يمكن تسميته بالمنشسترية من شمال إنجلترا إلى المملكة بأكملها.
المدينة التي تحول الهامش إلى مركز
ولد بورنهام عام 1970 في أينتري، بالقرب من ليفربول، وهو من مشجعي إيفرتون. دخل البرلمان عام 2001، وشغل مناصب حكومية في وزارة الخزانة ووزارتي الثقافة والصحة في عهد جوردون براون. لكن صوته السياسي اكتسب قدرا أكبر من الوضوح بعد أن غادر وستمنستر وانتخب عمدة لمانشستر الكبرى في عام 2017. ولم تكن رحيله عن البرلمان انسحابا من السياسة الوطنية، بل كانت وسيلة لإعادة بناء حضوره من خارج المركز.
وبدا ذلك واضحاً، لا سيما خلال جائحة كورونا، عندما قاوم شروط الحكومة المركزية بإغلاق المنطقة دون تقديم التعويضات الكافية لسكانها. ومن تلك المواجهة جاء لقبه الإعلامي ملك الشمال، لكنها قدمته، الأهم، كسياسي يستمد شرعيته من المكان، وليس من قربه من الدوائر الحاكمة في لندن.
أما المانسترية التي يمثلها فهي فلسفة حضرية تمزج بين الثقة بالنفس والابتكار الثقافي والتضامن الاجتماعي، وتفترض أن المدن قادرة على إنتاج حلولها الخاصة بدلا من انتظار وصفات المركز.
من الثقة الثقافية إلى السلطة المحلية
ولم تبقى المنشسترية هوية ثقافية أو شعورا بالفخر، بل تحولت، في تجربة برنهام، إلى مطلب سياسي بامتلاك المدن الأدوات اللازمة لإدارة شؤونها. وأبرز تطبيق لذلك هو شبكة Bee Network التي أعادت حافلات مانشستر الكبرى إلى السيطرة العامة، ضمن مشروع توحيد وسائل النقل في شبكة تحمل رمز المدينة ولونها الأصفر.
بحلول يناير 2025، سيتم اتخاذ القرارات بشأن جميع خدمات الحافلات المحلية داخل مانشستر الكبرى، بعد عقود من تحرير القطاع وهيمنة الشركات الخاصة. وتتولى السلطة المحلية الآن تحديد الخطوط والأوقات والتعرفات، بينما تقوم الشركات بالعمل بموجب عقود. التغيير لم يكن إداريا فقط. وأعربت عن قناعة بورنهام بأن النقل هو خدمة عامة توفر الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والثقافة، وليس مجرد نشاط تحكمه الجدوى التجارية.
وتكشف التجربة جوهر مشروعه الوطني: نقل السلطة والموارد من وسط لندن إلى المدن والمناطق، وربط التنمية بما يعيشه السكان في حياتهم اليومية. ولا يقاس الطموح المحلي بالمباني الفاخرة وحدها، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى عمله أو مدرسته بتكلفة معقولة. ومن هنا تصبح مانشستر مختبراً لفكرة أوسع، وهي أن تقليص الفجوة بين العاصمة وبقية بريطانيا يبدأ بإعطاء المجتمعات حق اتخاذ القرارات.
عندما يهدد النجاح صانعيه
لكن منح المدن قوة أكبر وحده لا يضمن وصول مكاسب التنمية إلى جميع السكان. تجربة مانشستر، رغم نجاحها الثقافي والاقتصادي، تكشف عن مفارقة يصعب تجاهلها. وقد يؤدي ازدهار المدينة إلى إقصاء بعض من صنعوا هويتها.
عندما تصبح الموسيقى والفنون وسيلة لجذب الاستثمارات والسياح، ترتفع الإيجارات، وتغلق المساحات الصغيرة، ويجد الفنانون والشباب أنفسهم خارج المدينة التي ساهموا في خلق صورتها. وعلى هذا فإن نجاح بورنهام لن يقاس بعدد المهرجانات والمرافق الكبرى، بل بقدرته على حماية المساحات الثقافية المستقلة، وتوفير الإسكان بأسعار معقولة، والتمويل المباشر للأحياء والمجموعات الأقل حضوراً. وإذا كانت الثقافة تمثل بنية تحتية حقيقية، فلابد أن تظل متاحة لأولئك الذين ينتجونها، ولا تتحول إلى واجهة تسويقية.
وسوف يكون نقل التجربة إلى المستوى الوطني أكثر صعوبة، لأن إدارة الدولة تعني التعامل مع اقتصاد مثقل بالأعباء، وتدهور الخدمات العامة، والانقسامات بشأن الهجرة، فضلاً عن الدفاع والعلاقات الخارجية. ولا يكمن التحدي أمام برنهام في جعل بريطانيا تشبه مانشستر، بل في تحويل روحها إلى سياسة وطنية تقوم على توزيع السلطة، وحماية الإبداع، وربط الثقافة بالصحة والتعليم والإسكان.
ثم إن وصوله إلى داونينج ستريت لن يكون مجرد انتصار لسياسي طموح، بل حركة للخيال السياسي من الهوامش إلى المركز، ومحاولة لحكم بريطانيا بالثقة الجماعية لمانشستر، وليس بعقل وستمنستر وحده.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#هل #ستصبح #المانشيسترية #عقيدة #بريطانيا #الجديدة #مع #برنهام #صوت #لبنان #صوت #لبنان
هل ستصبح المانشيسترية عقيدة بريطانيا الجديدة مع برنهام؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – هل ستصبح المانشيسترية عقيدة بريطانيا الجديدة مع برنهام؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
