.

اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح الماضي مهنة سياسية – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشيرمنذ 48 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح الماضي مهنة سياسية – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الأربعاء 22 يوليو 2026 – 12:55

المصدر: صوت لبنان

لم يكن لقاء ترامب وعون في واشنطن مجرد حدث دبلوماسي؛ العالم يناقش مستقبل لبنان، وجزء من الداخل لا يزال يناقش ماضيه.

إن أخطر الأزمات التي تصيب الدول ليست تلك التي تنشأ من نقص الموارد أو اختلال توازن القوى، بل تلك التي تنشأ عندما تفشل في إدراك أن الزمن قد تغير. التاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها أخطأت، بل لأنها تصر على قراءة الحاضر بأدوات الماضي.
ويبدو أن لبنان يواجه هذا الاختبار بالذات اليوم.
إن الشرق الأوسط الذي عرفناه منذ نصف قرن يعيد تشكيل نفسه أمام أعيننا. ليس لأن الصراعات انتهت، ولا لأن المصالح قضت على التناقضات، فهي لا تزال في ذروتها، بل لأن منطق السياسة نفسه تغير. وتراجع الخطاب المؤثر خطوة إلى الوراء، في حين تحركت المصالح الوطنية خطوتين إلى الأمام. إن السؤال الذي يشغل بال العواصم ذات النفوذ لم يعد هو من صاحب الاقتراح الأعلى صوتا، بل من سيبني الدولة الأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار ومن ثم الرخاء.
إيران، رغم الغموض المحيط بمراكز صنع القرار فيها، تعيد النظر في حساباتها تحت ضغط الحقائق. لقد أعادت دول الخليج تحديد موقفها. ولم يعودوا يرون المكانة والوزن من حيث الثروة وحدها، بل جعلوا من الاقتصاد والابتكار ركيزتين لمشروعهم السياسي الجديد. سوريا التي طالما كانت محوراً في خرائط النفوذ، تبحث اليوم عن موقع جديد في محيطها العربي، بعد أن تغير الزمن وتغيرت قواعد اللعبة. فإسرائيل، بعد سنوات من المواجهات، تسعى إلى إقامة ترتيبات أمنية طويلة الأمد، ربما رغماً عنها. أما الولايات المتحدة، ففي ظل الإدارة الحالية، أصبحت أكثر ميلاً إلى مقاربة المنطقة بمنطق النتائج والمصالح، وليس بمنطق الاصطفافات التقليدية.
لقد تم عكس تعريف القوة.
ولم تعد الدولة القادرة هي التي ترفع أعلى الشعارات، بل هي التي تبني المؤسسات الأكثر كفاءة، وتجذب الاستثمار، وتخلق الثقة، وتضمن الاستقرار. ولم يعد النفوذ يُقاس بما تخزنه الترسانات فحسب، بل وأيضاً بما تنتجه الجامعات، وما يوفره الاقتصاد، وما يضمنه القانون، والشعور بالأمان واليقين الذي تمنحه الدولة لمواطنيها.
وفي قلب هذه التحولات، برز اللقاء التاريخي والإيجابي جداً في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني جوزف عون، ليعكس طبيعة المرحلة الجديدة. ولم تستقبل واشنطن لبنان ليعيد مناقشة روايات الأمس، بل ليقدم بزخم وفعالية رؤيته لكيفية دعم هذا البلد، وليطرح أسئلة الغد: كيف يستعيد قراره؟ كيف يعيد بناء مؤسساته؟ كيف يثبت احتكار الدولة لسلطتها؟ فكيف ينتقل من ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين إلى شريك قادر على خلق مصالحه الخاصة؟
وهذا بالفعل ما طرح في اللقاء المغلق بين الجانبين، وهو في الوقت نفسه الاختبار الذي يواجه لبنان. ورغم أن قسماً من طبقته السياسية، من دون تعميم، ما زال يدعو إلى المفردات ذاتها، وكأن الزمن توقف عند محطات ماضية، ويستخدم لغة لم يعد العالم يتحدثها، إلا أن ذلك لا يعود إلى كون اللبنانيين سجناء الماضي بطبيعتهم، بل لأن النظام السياسي وجد، في مراحل عديدة، في الذاكرة مصدراً دائماً لشرعيته.
إن الخطابات الحشدية لا تموت عندما تُهزم، بل عندما تفقد قدرتها على تفسير الواقع. لكن المشكلة هي أن الكثير من الأفكار القديمة لا تترك لتستنفد دورتها التاريخية، بل يتم إحياؤها كلما اقتربت من التلاشي. تُنتزع من الذاكرة، ويحيا لها دور جديد، وكأنها لا تزال قادرة على الإجابة على أسئلة الحاضر، ليس لأن الأمة بحاجة إليها، بل لأن الكثيرين غير قادرين على ممارسة السياسة بما راكمته من شبكات ومكاسب ومصالح… خارجها.
برزت عناوين كثيرة دفاعاً عن قضايا حقيقية وهموم حقيقية، لكن الزمن أعاد تشكيلها، فيما بقيت بعض الخطابات أسيرة مراحل تاريخية سابقة. وتحول من وسيلة لفهم المعطى إلى أداة لإدارته وحماية مواقع النفوذ السياسية القائمة. وهنا تكمن المعضلة.
بالنسبة للسياسي الذي تستمد قيادته شرعيتها من السرد الكبير، فمن الصعب عليه أن يسمح لها بالتحول إلى تاريخ. لأن نهايتها لا تعني اختفاء الفكرة فحسب، بل تعني اختفاء الوظيفة السياسية أيضا. وهكذا يصبح الماضي مورداً للقوة، والخوف أداة للاستمرارية، والذاكرة وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.
لذلك، كلما اقترب اللبنانيون من بناء الدولة، عادت معارك الهوية إلى الواجهة. كلما أثيرت أسئلة الإصلاح، فتحت كتب الحرب. وكلما زاد حضور لغة الاقتصاد، كلما أصبحت لغة الاصطفافات أكثر بروزاً.
إنها دائرة مغلقة، لا يعيش فيها الماضي داخل الحاضر، بل يحكمه.
لكن المنطقة لم تعد تنتظر أحداً.
ملفات لبنان التي بحثت في واشنطن، من استقرار الجنوب إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وحصر السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، وإعادة بناء الاقتصاد، واستعادة ثقة العالم، ليست قضايا منفصلة، ​​بل أجزاء من مشروع واحد يتجسد في إعادة بناء الدولة اللبنانية على أساس أن الشرعية لا تقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تحققه لمواطنيها.
ومن هنا يجب قراءة لقاء واشنطن وغيره من التحركات الدولية والإقليمية على أنه اختبار لقدرة لبنان على الانتقال من مرحلة الدفاع عن الماضي إلى مرحلة بناء المستقبل.
لا تهزم الأمم عندما تخسر حربا، بل عندما تفشل في إدراك أن الحرب التي خلقت وعيها قد انتهت، وأن المستقبل لا يُبنى بالانتصار في حقبة ماضية، بل بالقدرة على التغلب عليها.
ولبنان اليوم لا يحتاج إلى مقاربة جديدة تستبعد أخرى، بل إلى فكرة أبسط وأكثر صعوبة. أن تصبح الدولة المرجعية الشاملة الوحيدة، وأن يصبح الإنسان هدفها الأساسي، وأن يصبح المستقبل هو معيار الحكم على السياسات، وليس الماضي.
في واشنطن كان الجدل يدور حول ما يجب أن يكون عليه لبنان، في حين أن جزءاً من الجدل الداخلي لا يزال يدور حول ما كان عليه لبنان. وبين هذين الزمنين تبقى البلاد معلقة؛ عندما يتحول الماضي إلى مهنة سياسية، يصبح المستقبل ضحيته الأولى.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#عندما #يصبح #الماضي #مهنة #سياسية #صوت #لبنان #صوت #لبنان

عندما يصبح الماضي مهنة سياسية – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح الماضي مهنة سياسية – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.