.

اراء و اقلام الدستور – أين الشباب الجامعي في الوطن العربي؟

سامر الشخشيرمنذ 32 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – أين الشباب الجامعي في الوطن العربي؟


دستور نيوز

الصحفية سحر ناصر

منذ عقود مضت، كان يكفي أن تعلن جامعة عربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي لتلتقطه الصحف، وأن تعلن نتائج انتخابات اتحادات الطلاب حتى تتمكن الحكومات من قراءته كمؤشر لتوجهات الرأي العام.

ولم يُنظر قط إلى جامعات القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد والرباط وتونس وغيرها من العواصم الخليجية باعتبارها مجرد مؤسسات تمنح الدرجات العلمية، بل باعتبارها صروحاً لإنتاج الأفكار والمبادرات الوطنية وخلق النخب التي ستقود الدولة.

وعلى مر القرون، برز الحرم الجامعي كمختبر حي للنقاش الفكري، حيث تتنافس المدارس القومية والليبرالية واليسارية والإسلامية، وتناقش فيه قضايا الاستقلال والتنمية والوحدة والإصلاح والعدالة الاجتماعية.

اليوم، يبدو المشهد مختلفاً جداً. اختفت المحاضرات السياسية المفتوحة، وتراجعت المناقشات الطلابية حول القضايا الوطنية، واختفت الصحافة الجامعية، وتقلص دور الاتحادات الطلابية. لقد أصبحت الجامعات أكثر اتساعاً، وطلابها أكبر عدداً، وشهاداتهم الأكاديمية أكثر تألقاً، لكن تأثير شبابهم في المناظرات الوطنية يبدو أضعف، واهتمامهم بالشأن العام أضعف.

يقضي الشباب سنواتهم الجامعية في مطاردة الدرجات الأكاديمية والتدريب الوظيفي، بينما تغيب الأنشطة السياسية والفكرية عن تجربتهم الجامعية، وتستبعد مشاركتهم الفعالة في أنشطة فكرية تكاد تكون استثنائية، بل محدودة وربما شديدة الحذر، مختزلة إلى محاكاة افتراضية داخل قاعات الدراسة، ولا تظهر آراؤهم إلا في لقطات عابرة عبر تقرير إخباري عن حفل تكريم، أو تعليق على منصة رقمية، أو مشاركة مخطط لها في حدث رسمي.

ولعل أخطر ما في هذا الصمت المدقع أنه يظهر اليوم في لحظة تاريخية، حيث تواجه الدول العربية تحديات نوعية ومشاريع خارجية تتنافس على تشكيل مستقبلها ومستقبل المنطقة، حيث تدور الحروب على بلداننا بالمعلومات والروايات والرأي العام والحملات الرقمية والمصطلحات اللغوية.

وبينما تثبت التجارب العالمية أن معظم القادة السياسيين والاقتصاديين والمثقفين بدأوا رحلتهم من مقاعد الجامعات، حيث تعلموا كيف يسألون وكيف يناقشون وكيف يقنعون وكيف يتحملون المسؤولية، وليس كيف يحفظون المناهج الأكاديمية، فإن قدرات الطلاب العرب اليوم على قيادة النقاش العام والتأثير في صنع السياسات آخذة في التراجع، لصالح هم البحث عن عمل أو السير في موكب «المؤثرين» ومتابعة الحياة الافتراضية. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.

وفي الوقت الذي أصبح فيه الشباب الجامعي يمتلك أدوات تعبير لم تكن متاحة لأسلافه، مثل المنصات الرقمية والمساحات الإعلامية، فإن تأثيرهم يتراجع من الفعل إلى التعليق، ومن المبادرة إلى التفاعل، ومن الاهتمام بالشأن العام إلى متابعة «الاتجاهات» اليومية. وقد بدأت الخوارزميات في تحديد قضاياها، وليس مراكز الأبحاث أو الندوات الأكاديمية.

وهذه ليست دعوة لتحويل الجامعات العربية إلى ساحات للاستقطاب، ولا إلى منصات للصراعات الحزبية، بل دعوة لتمكين الجامعات حتى لا تترك خارج معادلة الدولة القوية. ودعوة للجهات المعنية لتفعيل عمل الجامعات على مستوى الوطن العربي، لاستضافة السياسيين المؤثرين، ليس لإلقاء خطابات بروتوكولية، بل لإجراء حوارات مفتوحة مع الطلاب. كما أنها دعوة لوسائل الإعلام إلى تخصيص برامج طلابية، لا لتغطية حفلات التكريم السنوية، بل لاكتشاف قوة الطلاب في الدفاع عن أوطانهم. نداء عاجل للمؤسسات البحثية لفتح أبواب التعاون مع الجامعات في المنطقة العربية، ليفهم الشباب كيف تصنع السياسات العامة، وكيف تدار الأزمات، وكيف تتحول الأفكار إلى قرارات.

وفي ظل التغيرات العالمية، تظل الجامعة المكان الطبيعي الذي يصنع فيه مستقبل البلاد. وهذا يدخل ضمن الضرورات الاستراتيجية، وليس في إطار الترويج الثقافي.

المطلوب اليوم ليس إعادة تسييس الجامعات، بل إحياء دورها المدني والفكري، ليعود الحرم الجامعي إلى ساحة للنقاش الرصين، وأن تستعيد الاتحادات الطلابية دورها في تطوير المهارات القيادية، ولمسابقات المناظرة والمحاكم الصورية ونماذج مجالس الشعوب ومختبرات السياسة العامة وحاضنات الأفكار لتتوسع، لتصبح الجامعة مصنعا للقادة، وليس مجرد محطة للحصول على الشهادة.

وربما حان الوقت لنسأل: أين اختفى شباب الجامعات العربية؟ ومن الصعب تصور مستقبل عربي إذا ظلت الجامعات معزولة عن هذا النقاش الوطني، بدءاً من الأمن الجغرافي، مروراً بالأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، والتغير المناخي، وإذا كانت الدولة غير قادرة على إنتاج جيل يفهم قضاياها ويدافع عنها في الساحات الفكرية والمناورات السياسية.

إن الدولة التي تهمش جامعاتها الوطنية وتبقي شبابها خارج المناقشات الوطنية ستستورد أفكارها وقياداتها غدا، بينما الدولة التي تبني الجسور مع جامعاتها الوطنية ستستثمر حتما في أمنها القومي وحاضرها ومستقبلها.

الفكرة هي خط الدفاع الأول عندما يصمت المدافع.

الصحفية سحر ناصر

#أين #الشباب #الجامعي #في #الوطن #العربي

أين الشباب الجامعي في الوطن العربي؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – أين الشباب الجامعي في الوطن العربي؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.