دستور نيوز
سعد شنين
الجمعة 17 يوليو 2026 – 09:09
المصدر: ام تي في
لم يعد الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية مقتصراً على عقوبات اقتصادية أو ضربات عسكرية محدودة ضد إيران، بل بدأ يتوسع نحو سيناريو أكثر تعقيداً يتم تداوله في بعض الأوساط الاستراتيجية، يقوم على فرض منطقة أمنية عازلة على طول الساحل الإيراني المطل على مضيق هرمز، بعمق قد يصل إلى عشرة كيلومترات، إذا استمرت طهران في رفض الشروط الأميركية المتعلقة بأمن الملاحة وحرية التجارة الدولية، وإذا لم يكن من الممكن التوصل إلى تفاهمات تضمن عدم استخدام المضيق كورقة ضغط في المنطقة. أي مواجهة مستقبلية.
ولا ينبع هذا السيناريو من فكرة احتلال الأراضي الإيرانية أو إسقاط النظام، بل من إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الخليج، بحيث تحرم إيران من استخدام سواحلها المطلة على مضيق هرمز كقاعدة انطلاق للصواريخ والطائرات بدون طيار والزوارق السريعة التي يمكن أن تهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن المنطقة العازلة، بحسب هذا التصور، قد لا تكون برية بالمعنى التقليدي. إن التطور الهائل في القدرات العسكرية الأميركية يجعل فرض الهيمنة الجوية والبحرية أكثر واقعية، وأقل تكلفة، وأكثر فعالية من أي انتشار بري. ومن خلال الطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية والطائرات بدون طيار وطائرات الإنذار المبكر والأقمار الصناعية والأساطيل البحرية وأنظمة الدفاع الجوي، يمكن رصد واستهداف أي تحرك عسكري ضمن هذا العمق بشكل فوري، دون الحاجة إلى وجود قوات برية دائمة.
وبذلك تتحول المنطقة العازلة إلى منطقة حظر عملياتي تفرضها القوة النارية والتفوق الجوي والبحري، وليس شريطاً جغرافياً تحت الاحتلال. والهدف ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على القدرة العسكرية داخل هذه الأرض، ومنع استخدامها لتهديد أمن الملاحة الدولية.
ويرى بعض المراقبين أن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس تراجع القناعة لدى بعض الأوساط الغربية بإمكانية تأقلم الحرس الثوري مع الظروف الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى ترسيخها في الخليج. والمشكلة بحسب هذا التحليل لم تعد مقتصرة على البرنامج النووي أو الصاروخي، بل أصبحت مرتبطة بعقيدة عسكرية تعتبر مضيق هرمز أحد أهم أدوات الردع والضغط التي تمتلكها إيران.
ولذلك، ترى هذه القراءة أن أي اتفاق سياسي لن يكون كافيا إذا احتفظ الحرس الثوري بالقدرة على تهديد الملاحة الدولية كلما تصاعدت الضغوط على طهران. وإذا توصلت واشنطن إلى نتيجة مفادها أن المؤسسة العسكرية الإيرانية غير قادرة أو غير راغبة في التكيف مع هذه المعادلة، فإنها قد تنتقل وفق هذا السيناريو من سياسة تغيير السلوك إلى سياسة حرمانها من القدرة على ممارسة هذا السلوك في المقام الأول.
ومن هنا، فإن الهدف ليس تغيير النظام الإيراني، بل تغيير البيئة الاستراتيجية التي يعمل فيها الحرس الثوري، وسحب أهم أوراق السلطة التي راكمها على مدى العقود الماضية. وبدلاً من انتظار التزام قد لا يأتي، يصبح الخيار متاحاً لفرض واقع عملياتي جديد يجعل أي تحرك عسكري باتجاه المضيق مكشوفاً وخاضعاً للمراقبة والرد الفوري.
إذا تحقق مثل هذا السيناريو، فإن تداعياته ستكون كبيرة داخل إيران. وسيُنظر إليه باعتباره تراجعاً استراتيجياً غير مسبوق، لأنه ينتزع من الحرس الثوري أهم أدوات النفوذ العسكري، ويحول الساحل الإيراني المطل على هرمز إلى منطقة مراقبة دائمة، وبالتالي يحد من حرية التنقل التي اعتمد عليها لسنوات، ويضعف قدرته على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.
وستكون التداعيات الاقتصادية كبيرة أيضاً، لأن مضيق هرمز لن يعد ورقة يمكن استخدامها لابتزاز الأسواق العالمية أو التأثير على حركة الطاقة، فيما ستتزايد الضغوط الداخلية على القيادة الإيرانية لإعادة النظر في سياساتها الإقليمية والعسكرية.
في المقابل، لا يخلو هذا السيناريو من تحديات قانونية وسياسية وعسكرية، إذ إن أي خطوة من هذا النوع قد تفسر على أنها تعد على السيادة الإيرانية، كما أنها تتطلب إجماعا دوليا واسعا لتجنب تحولها إلى مواجهة إقليمية شاملة.
لكن مجرد تداول هذه الفكرة يكشف حجم التحول في التفكير الاستراتيجي الأميركي. وبدلاً من الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية أو الجولات الطويلة من المفاوضات، يبحث بعض صناع القرار عن سبل لمنع إيران من امتلاك أدوات الضغط أصلاً، عبر فرض التفوق الجوي والبحري الدائم على أكثر مناطقها حساسية.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تتعامل مع الملف الإيراني من منطلق إدارة الأزمات فقط، بل من منطلق إعادة صياغة ميزان القوى في الخليج بما يمنع إيران من امتلاك وسائل الابتزاز الاستراتيجي مستقبلا. ولم يعد الهدف بحسب هذه القراءة مجرد اتفاق جديد، بل الوصول إلى مرحلة من الامتثال الاستراتيجي، تضطر فيها طهران إلى التكيف مع القواعد الأمنية الجديدة، سواء من خلال التفاوض أو تحت ضغط الواقع العسكري.
ومن هذا المنطلق، فإن فكرة المنطقة العازلة أو الهيمنة الجوية والبحرية لا تبدو هدفا في حد ذاتها. بل قد تكون إحدى الأدوات المطروحة إذا لم يكن من الممكن التوصل إلى تفاهمات تحقق الأهداف الأميركية. وبدلاً من انتظار تغير سلوك الحرس الثوري، يصبح الخيار أمامه تقليص قدرته على التأثير، وحرمانه من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط عسكرية أو اقتصادية.
ولم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالاحتلال البري، بل بالسيطرة على السماء والبحر، والقدرة على شل حركة الخصم، وفرض قواعد جديدة للاشتباك. وإذا كان القرن العشرين محدداً بالمناطق العازلة التي ترسمها الجيوش على الأرض، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد مناطق عازلة تدار من الجو والبحر، حيث تصبح السيطرة على ميدان العمليات أكثر أهمية من السيطرة على الأرض نفسها.
ولذلك فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه في المرحلة المقبلة لن يكون ما إذا كانت الولايات المتحدة لديها القدرة على فرض مثل هذا الواقع، بل ما إذا كانت القيادة الإيرانية، وخاصة الحرس الثوري، ستختار التكيف مع المعادلة الأمنية الجديدة قبل الوصول إلى هذه المرحلة، أو ما إذا كان استمرار الرفض سيدفع واشنطن وحلفائها للانتقال من مرحلة الضغط والعقوبات إلى مرحلة فرض الواقع الاستراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويبقى ذلك حتى الآن في إطار السيناريوهات والتحليلات المتداولة، وليس سياسة أميركية معلنة.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#منطقة #عازلة #فوق #هرمز. #سيناريو #يقلق #الحرس #الثوري #صوت #لبنان #صوت #لبنان
منطقة عازلة فوق هرمز.. سيناريو يقلق الحرس الثوري – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – منطقة عازلة فوق هرمز.. سيناريو يقلق الحرس الثوري – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
