دستور نيوز
منى فياض
الاثنين 13 يوليو 2026 – 08:30
المصدر: صوت لبنان
لقد استمعت إلى مقابلة مع البروفيسور فيليب سالم، وقد لفت انتباهي أسلوبه في التعامل مع كل من إسرائيل وإيران، باعتبارهما الدولتين الدينيتين الوحيدتين في العالم. فالفقيه الإيراني هو ظل الله على الأرض، بينما كانت إسرائيل رائدة في هذا المجال منذ حوالي ألفي سنة عندما أطلقوا على أنفسهم اسم شعب الله المختار.
لقد وضعنا بين فكي هذين البلدين.
وأشار فيليب سالم إلى أن ما نشهده هو تحول «الله» إلى أداة في الصراع السياسي، أو ما تعبر عنه بشكل مكثف فكرة «اتخاذ الله رهينة». فعندما يتم ذكر الله ضمن تسمية أو خطاب سياسي كمصدر حصري للشرعية، فإنه لم يعد مرجعا أخلاقيا شاملا، بل يتحول إلى مورد محتكر يستخدم لإغلاق النقاش وتبرير السلطة.
في لبنان، لا يمكن التعامل مع اللغة السياسية كوسيلة للتعبير فحسب، بل كأداة لإنتاج الواقع نفسه. والتسمية ليست وصفا محايدا، بل هي فعل تأسيسي يحدد موقع الفاعل وحدود النقاش حوله. ومن هنا تكتسب بعض التسميات طابعا خاصا، لأنها لا تحدد نفسها فحسب، بل تعيد تعريف المجال الذي تتحرك فيه.
ويتجلى ذلك بوضوح في اسم حزب الله، حيث لا يتم تقديم الجماعة كحزب بين الأحزاب، بل ككيان مرتبط مباشرة بسلطة متعالية. ولا يعمل هذا الارتباط على مستوى الرمزية فحسب، بل إنه يخلف تأثيراً حاسماً: نقل العمل السياسي من مجال قابل للتفاوض إلى مجال يفترض أنه محصن بالفعل من المساءلة. عندما يتم تعريف المجتمع من خلال العلاقة المباشرة مع الله، فإن الاعتراض عليه يصبح انتهاكًا لمصدر الشرعية ذاته.
وبهذا المعنى لم تعد التسمية مجرد عنوان، بل تتحول إلى إطار معرفي يسبق كل نقاش. فهو يحدد من له حق الكلام، وما يمكن محاسبته، وما يثير فوق النقاش. وهنا تتضح وظيفة التسمية كأداة إغلاق: لا يُطلب من الخطاب تبرير نفسه، بل يُعاد تعريف أي اعتراض عليه على أنه خروج عن الجماعة أو عن «الحقيقة».
وهذا ما يفسر كيف تتحول اللغة إلى أداة تأديب، كما يظهر في حملات الخيانة والتشهير، وفي إنتاج تسميات مثل «شيعة السفارات» أو «قائمة العار والخيانة». ولا تهدف هذه اللغة إلى الإقناع، بل إلى رسم حدود الانتماء، ودفع الأفراد إلى الانحياز تحت ضغط رمزي يخلط بين الاختلاف السياسي والانحراف الأخلاقي. وهنا لم يعد المجال العام مساحة للنقاش، بل تحول إلى مساحة للمراقبة والسيطرة.
ويمكن أيضًا فهم هذه الديناميكية من خلال التحليل النفسي. إن ربط الفعل بمرجعية مقدسة يمنح الجماعة يقيناً يحميها من التشرذم، ويحول أي معطيات متناقضة إلى تهديد لهويتها. وكما أشار سيجموند فرويد، فإن آليات مثل الإنكار والتبرير تعمل على إعادة تشكيل الواقع بطريقة تحافظ على تماسك الأنا، وليس بطريقة تعكس ما يحدث بالفعل. وبالتالي، لا يتم التعامل مع الحقائق كمعايير للحكم، بل كمواد يمكن إعادة تفسيرها ضمن سرد ثابت.
لكن هذه الآليات لا تكتمل إلا في إطار أوسع، وهو الإطار الأيديولوجي. وكما يوضح لويس ألتوسير، فإن الأيديولوجيا لا تقتصر على تقديم الأفكار، بل تنتج أفرادًا يرون العالم من الداخل. وفي هذا السياق، لا يكون الاسم مجرد إشارة خارجية، بل يصبح جزءاً من تكوين الذات نفسها، بحيث يُعاد إدراك الواقع من خلالها، وليس العكس.
لكن أخطر ما في هذه البنية لا يظهر فقط في التسمية، بل في الخطاب الذي يسمح به ويلغي الشخص نفسه. عندما يواجه المعترض سؤالاً مثل: “هل أنت إنسان أصلاً لتسأله؟” وكما وجه نصر الله ذات مرة للبنانيين، عندما يتم استبدال الحجة بادعاء «التفويض الإلهي»، كما جاء في السياق نفسه، فإننا ننتقل من إغلاق النقاش إلى إقصاء الطرف الآخر. نحن هنا أمام شكل من أشكال العنف الرمزي القائم على نزع الشرعية عن المختلف، بل وحرمان الإنسان من شرطه الأساسي: إنسانيته.
في هذه اللحظة، تكشف التسمية عن وظيفتها النهائية: فهي ليست فقط مبررًا للسلطة، ولكنها أداة لإعادة تصنيف البشر أنفسهم، بين أولئك الذين ينتمون إلى “الحق” وأولئك الذين يُدفعون خارجه. وما يتم تقديمه على أنه يقين مقدس ليس إلا بنية مغلقة تحصن نفسها بإقصاء الآخر وتجريده من الشرعية، وحتى من الإنسانية نفسها.
ومن هنا لم تعد القضية خلافا سياسيا يمكن احتواؤه، بل هي قضية تتعلق بأسس العيش المشترك ذاته. فعندما تتحول اللغة إلى أداة للقضاء على الإنسان، وحين يتم اختزال الله في تسمية تستخدم لإغلاق النقاش، لم يعد الخطر في السلاح أو في القرار فحسب، بل في النظام الذي يجعل الاعتراض خطيئة، والشخص المختلف خصما، والإنسان نفسه محل شك. هذه ليست أزمة خطاب فحسب، بل هي أزمة معنى وحدود: حدود السياسة، وحدود الدين، وحدود ما يمكن أن يبقى مشتركا بين الناس.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#أخذ #الله #رهينة #كيف #تنتج #التسمية #الواقع #وتفرضه #صوت #لبنان #صوت #لبنان
أخذ الله رهينة: كيف تنتج التسمية الواقع وتفرضه – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – أخذ الله رهينة: كيف تنتج التسمية الواقع وتفرضه – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
