دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
لم تكن مذكرة التفاهم المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار أو إطار مؤقت لإدارة الأزمة، بل مثلت محاولة سياسية لاحتواء واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط في العقود الأخيرة. لكن التطورات السريعة، وعودة الضربات العسكرية، وتصاعد الخطاب السياسي بين الطرفين، وتفاقم الخلافات حول تفسير بنود المذكرة، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، أعادت المنطقة إلى المربع الأول، وأثارت تساؤلات جدية حول ما إذا كان من المرجح أن تتجدد الحرب، أو ما إذا كان التصعيد الحالي لا يزال جزءاً من استراتيجية تفاوضية تستخدم القوة لتحسين شروط التسوية.
إن قراءة المشهد الحالي تتطلب تجاوز التحليل التقليدي المبني على ردود الفعل الآنية، والانتقال إلى مقاربة استراتيجية تأخذ في الاعتبار تشابك المصالح الدولية، وطبيعة النظام الإقليمي، وموقع مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الحسابات الداخلية لكل من واشنطن وطهران.
وكشفت الأزمة أن المشكلة لم تكن في غياب الاتفاق، بل في غموض بعض نصوصه. ورغم أن المذكرة نجحت في وقف العمليات العسكرية مؤقتا، إلا أنها تركت القضايا الأكثر حساسية لمرحلة لاحقة، وأبرزها مستقبل التداعيات النووية الإيرانية، وآلية إدارة مضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، والأصول الإيرانية المجمدة. وبمرور الوقت، تحول هذا الغموض من عامل سمح باستمرار الحوار إلى مصدر دائم للصراع، بعد أن تبنى كل طرف تفسيرا مختلفا لبنود الاتفاق، ما أدى إلى اهتزاز الثقة المتبادلة وانهيار الأساس السياسي الذي قامت عليه المذكرة.
ويظهر مضيق هرمز باعتباره العقدة المركزية في هذا الصراع. وهو ليس مجرد ممر بحري، بل هو أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن أي خلل في حركة الشحن لا يؤثر فقط على أسواق الطاقة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، مما يؤثر على معدلات التضخم وسلاسل التوريد وأسعار الشحن والتأمين.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على اعتبار المضيق جزءاً من سيادتها الأمنية، مقابل تمسك الولايات المتحدة بمبدأ حرية الملاحة الدولية ورفضها لأي إجراءات أحادية من شأنها عرقلة مرور السفن التجارية أو فرض رسوم على استخدامها. وبين هذين الموقفين تكمن إحدى نقاط الاحتكاك الأكثر حساسية في النظام الدولي المعاصر.
وفي ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة:
السيناريو الأول هو العودة إلى حرب محدودة، وهو الاحتمال الأرجح إذا استمرت الضربات العسكرية المتبادلة، وتصاعدت المواجهة في مضيق هرمز، واستمرت العمليات التي تستهدف السفن أو المنشآت العسكرية. وفي هذا السيناريو، قد تبقى العمليات ضمن سقف معين، حيث يسعى كل طرف إلى إلحاق الخسائر بالآخر دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إدراكاً منه للكلفة الباهظة التي ستترتب على المواجهة المفتوحة.
أما السيناريو الثاني فهو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، إذا اتسعت دائرة الاشتباكات لتشمل باستمرار دولاً أخرى، أو قواعد عسكرية، أو خطوط شحن وطاقة. وحينها لن تبقى الأزمة مقتصرة على واشنطن وطهران، بل قد تتحول إلى صراع متعدد الأطراف، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية، مما يزيد من صعوبة احتوائه وزيادة المخاطر على أمن الخليج والشرق الأوسط برمته.
أما السيناريو الثالث فهو استمرار سياسة «التصعيد المنضبط»، حيث يستخدم الطرفان الضغوط العسكرية والاقتصادية والإعلامية كورقة تفاوض، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى حرب شاملة. وقد شهدت العلاقات الأميركية الإيرانية هذا النوع من إدارة الأزمات في أكثر من مرحلة، حيث استخدمت القوة في كثير من الأحيان لتحسين شروط التفاوض، وليس لإغلاق أبوابه نهائياً.
أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر إيجابية، فيقوم على إحياء المسار الدبلوماسي عبر وساطة إقليمية أو دولية، بما يسمح بالتوصل إلى تفاهمات تكاملية تعالج الثغرات التي كشفت عنها المذكرة السابقة. وقد تلعب بعض الدول الوسيطة دوراً محورياً في هذا الاتجاه إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين، خاصة أن تكلفة الحرب تبدو أعلى بكثير من تكلفة التسوية.
ومن الناحية الاستراتيجية، تبدو الولايات المتحدة حريصة على حماية حرية الملاحة الدولية ومنع أي طرف من فرض حقائق جديدة في مضيق هرمز، باعتباره ممرا حيويا للتجارة العالمية والطاقة. في المقابل، ترى إيران أن السيطرة الأمنية على محيطها البحري جزء من مفهومها للأمن القومي، وترفض أي ترتيبات تعتبرها انتقاصا من سيادتها أو إقامة وجود عسكري دائم يحد من نفوذها في الخليج.
فالبعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد العسكري. العقوبات الأميركية والأصول الإيرانية المجمدة ورخصة تصدير النفط، كلها تشكل أدوات ضغط متبادلة، وهي في الوقت نفسه عناصر تفاوضية أساسية لا يمكن فصلها عن الملف الأمني. ولذلك فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد بالعمليات العسكرية وحدها، بل أيضاً بمدى قدرة الطرفين على التوصل إلى التوازن بين المصالح الأمنية والاقتصادية.
ولا يمكن التغاضي عن أن المجتمع الدولي، وخاصة الدول المستهلكة للطاقة، ينظر بقلق بالغ إلى أي اضطراب في مضيق هرمز. ويهدد استمرار التوتر استقرار الأسواق العالمية، ويرفع تكلفة النقل البحري والتأمين، ويؤثر على الاقتصاد الدولي الذي لا يزال يواجه تحديات متراكمة. ومن هنا، تتزايد الضغوط الدولية باتجاه منع الانهيار الكامل للمسار الدبلوماسي، حتى لو بقيت خلافات جوهرية.
إن انهيار مذكرة التفاهم لا يعني بالضرورة أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، ولا يعني أن السلام في متناول اليد. وتواجه المنطقة اليوم مرحلة انتقالية تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والدبلوماسية، ويستخدم فيها كل طرف أدوات القوة لتحسين موقفه التفاوضي.
ويظل مستقبل الأزمة مرهوناً بقدرة الولايات المتحدة وإيران على إدارة خلافاتهما ضمن إطار يحول دون حدوث انفجار كبير، وعلى نجاح الوسطاء في سد الفجوة التي كشفت عنها المذكرة السابقة. وإذا استمر عدم التفاهم بشأن القضايا الأساسية، وأبرزها أمن مضيق هرمز، والعقوبات، والتداعيات النووية، فإن فرص التصعيد ستظل مرتفعة، مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات على أمن الخليج، واستقرار الشرق الأوسط، والاقتصاد العالمي.
لكن إذا نجحت الدبلوماسية في إنتاج إطار تفاوضي أكثر وضوحاً وتوازناً، فقد تتحول الأزمة الحالية إلى محطة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بين الطرفين، وبالتالي تقليص احتمالات المواجهة المباشرة وإعادة الاستقرار النسبي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية استراتيجية.
المحامي أسامة العرب
#بعد #انهيار #مذكرة #التفاهم #هل #تعود #الحرب #بين #أمريكا #وإيران
بعد انهيار مذكرة التفاهم: هل تعود الحرب بين أمريكا وإيران؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بعد انهيار مذكرة التفاهم: هل تعود الحرب بين أمريكا وإيران؟
المصدر : www.elsharkonline.com
