دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
تأتي الدعوة الرسمية التي وجهها البيت الأبيض إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون لزيارة العاصمة الأميركية واشنطن واللقاء بالرئيس دونالد ترامب، في لحظة تعتبر من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث. ولا يمكن اختزال الزيارة في إطار بروتوكولي أو دبلوماسي، بل تمثل محطة سياسية واستراتيجية تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة، لتتطرق إلى مستقبل الدولة اللبنانية وموقعها في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل في أعقاب التحولات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.
وتنبع أهمية هذه الزيارة أولا من كونها اللقاء الأول بين رئيس لبناني ورئيس أميركي منذ سنوات طويلة، واللقاء الأول بين الرئيس جوزف عون والرئيس دونالد ترامب منذ انتخاب الأول رئيسا للجمهورية. في الدبلوماسية الدولية، لا تُمنح مثل هذه اللقاءات إلا عندما ترى الدولة المضيفة أن للطرف الآخر دوراً يمكن البناء عليه في صياغة السياسات الإقليمية، أو عندما ترى أن المرحلة تتطلب شريكاً قادراً على اتخاذ قرارات سيادية تعيد إنتاج الاستقرار.
وعلى مدى العقدين الماضيين، شهدت العلاقات اللبنانية الأميركية تراجعا ملحوظا، بسبب تعقيدات المشهد الداخلي اللبناني واتساع نفوذ القوات المسلحة خارج إطار الدولة، ما جعل لبنان يقرأ في العديد من العواصم الغربية على أنه ساحة صراع وليس دولة مستقلة لاتخاذ القرار. واليوم، يبدو أن واشنطن تراهن على فرصة جديدة لإعادة بناء علاقة مؤسسية مع الدولة اللبنانية، بدءاً من مؤسسة الرئاسة ومؤسساتها الدستورية، وليس من خلال توازن القوى غير الرسمي الذي حكم الحياة السياسية على مدى السنوات الماضية.
ولا يمكن فهم الزيارة بمعزل عن الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل، والذي فتح الباب أمام مرحلة تفاوضية جديدة تهدف، بحسب ما أُعلن، إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية مستدامة تنهي حالة الحرب وتضع ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار على الحدود الجنوبية، مع تعزيز دور الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بفرض الأمن بعد أي انسحاب إسرائيلي من المناطق التي يشملها الاتفاق.
وبغض النظر عن اختلاف المواقف الداخلية بشأن هذا الاتفاق، فإن المؤكد سياسيا هو أن الولايات المتحدة تعتبر تنفيذه الآن مدخلا لإعادة رسم البيئة الأمنية في جنوب لبنان، وتعزيز حضور الدولة اللبنانية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط. ومن هنا فإن اللقاء بين عون وترامب سيحمل في جوهره بحثاً يتعلق بآليات تنفيذ الاتفاق، وضمان احترام إسرائيل لالتزاماتها، وتأمين الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي اللازم لتمكين الدولة اللبنانية من القيام بواجباتها.
وتكتسب الزيارة بعدا إضافيا لأنها تأتي في ظل إعادة هيكلة واسعة للتوازنات الإقليمية. وتشهد المنطقة انتقالاً من مرحلة الحروب المفتوحة إلى البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وسط انخراط أميركي مباشر في إدارة الملفات الأكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، يبدو أن لبنان عاد ليحتل مكانة عالية في الأجندة الأميركية، ليس فقط بسبب حدوده مع إسرائيل، بل أيضاً لأن استقراره مرتبط بأمن شرق المتوسط ومصالح القوى الدولية في المنطقة.
وفي الداخل اللبناني، تمثل الزيارة اختباراً لنهج الرئيس جوزف عون القائم على إعادة الاحترام لمفهوم الدولة مع حصرية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية والدفاعية والأمنية. تصريحاته التي شدد فيها على أن لا أحد يفاوض باسم لبنان إلا الدولة، وأن القرار الوطني يجب أن يصدر من المؤسسات الدستورية حصرا، تعكس رؤية دستورية تقوم على مبدأ احتكار الدولة للسيادة وحق التفاوض وإبرام الاتفاقيات الدولية، وهو المبدأ الذي يشكل الركيزة الأساسية لأي نظام سياسي حديث.
إن تأكيد الرئيس عون رفضه استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ومطالبته الولايات المتحدة باستخدام نفوذها لوقف هذه الاعتداءات، يعبر عن نهج متوازن يجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية اللبنانية واعتماد الدبلوماسية كوسيلة لحماية المصالح العليا للدولة، بعيدا عن منطق الحروب المفتوحة التي أثبتت التجربة أنها تنهك لبنان أكثر مما تحقق مكاسب استراتيجية.
ومن المتوقع أن تشمل المباحثات ملفات تتجاوز الجانب الأمني، لدعم الاقتصاد اللبناني، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، واستكمال مشاريع الإصلاح المالي والإداري، وتشجيع الاستثمارات، وإعادة دمج لبنان تدريجياً في النظام الاقتصادي الدولي. ولا تقل هذه الملفات أهمية عن الملف الأمني، لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الترتيبات العسكرية وحدها، بل يتطلب دولة قوية واقتصادا متماسكا ومؤسسات قادرة على استعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي.
ومن منظور العلاقات الدولية، تعكس الدعوة الأميركية وعياً متزايداً بأن استقرار لبنان لم يعد مجرد مسألة محلية، بل أصبح جزءاً من المعادلة الأمنية الإقليمية. يحتل لبنان موقعا جيوسياسيا حساسا للغاية عند تقاطع المشرق العربي وشرق المتوسط، وأي انهيار جديد هناك ستكون له تداعيات تتجاوز حدوده، سواء على مستوى الأمن أو الهجرة أو الاقتصاد أو توازن القوى الإقليمي.
وعلى الصعيد الداخلي، تتيح الزيارة لرئيس الجمهورية فرصة لترسيخ صورة لبنان كبلد يسعى إلى استعادة قراره الوطني، وإعادة بناء علاقاته مع المجتمع الدولي على أساس الشراكة والاحترام المتبادل، وليس على أساس الاصطفافات والمحاور. وقد يساهم أيضاً في تعزيز مكانة المؤسسات الدستورية واستعادة الدبلوماسية اللبنانية كأداة طبيعية لإدارة الأزمات والدفاع عن المصالح الوطنية.
تمثل زيارة الرئيس جوزف عون إلى الولايات المتحدة أكثر من مجرد لقاء ثنائي بين رئيسي البلدين؛ وهو اختبار حقيقي لقدرة لبنان على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة خلق الحلول، ومن منطق الدولة الضعيفة إلى منطق الدولة القادرة على فرض حضورها السياسي والدبلوماسي. وإذا نجحت الزيارة في ترسيخ الدعم الأميركي لسيادة لبنان، وتأمين ضمانات جدية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والإصلاحي، فإنها قد تشكل نقطة تحول في مسار الدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من الانقسام والانحدار.
ويبقى نجاح هذه المحطة مرهوناً بقدرة لبنان على توحيد موقفه الوطني وترجمة أي دعم خارجي إلى مشروع الدولة كاملة السيادة التي تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، وتصون الدستور، وتحمي حدوده، وتقيم علاقات متوازنة مع كافة شركائها الدوليين. عندها فقط يمكن القول إن زيارة واشنطن لم تكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل بداية مرحلة جديدة يسعى فيها لبنان إلى استعادة مكانته العربية والدولية كدولة كاملة السيادة، ذات مؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية مستقلة ترتكز على الشرعية الدستورية والقانون الدولي.
د. ابراهيم العرب
#زيارة #الرئيس #عون #الى #واشنطن #استعادة #دور #الدولة #السيادي
زيارة الرئيس عون الى واشنطن: استعادة دور الدولة السيادي
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – زيارة الرئيس عون الى واشنطن: استعادة دور الدولة السيادي
المصدر : www.elsharkonline.com
