.

اراء و اقلام الدستور – قمة أنقرة.. هل تعيد أمريكا رسم بنية الناتو؟

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – قمة أنقرة.. هل تعيد أمريكا رسم بنية الناتو؟


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

إن قمم الناتو ليست مجرد اجتماعات دورية لمراجعة السياسات الدفاعية، بل هي نقاط تحول تعكس طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وتكشف عن توازن القوى داخل المعسكر الغربي نفسه. ومن هذا المنطلق، اكتسبت قمة الناتو السادسة والثلاثين، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة، أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها انعقدت في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات الدولية، بل لأنها عكست تحولا واضحا في النهج الأمريكي تجاه الحلفاء، وتجاه تركيا بشكل خاص، مما يوحي بأن واشنطن تعيد صياغة أولوياتها الاستراتيجية وفقا لمعطيات عالم يعاني من أزمات متعددة.

وتأتي القمة بعد مرحلة شهدت الحرب الأميركية على إيران، والحرب الروسية على أوكرانيا، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، وتزايد الجدل حول مستقبل الأمن الأوروبي. وفي خضم هذه البيئة المضطربة، بدا أن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى حلف شمال الأطلسي باعتباره تحالفاً يقوم على التضامن التقليدي، بل باعتباره نظاماً لا بد من إعادة توزيع أعباءه المالية والعسكرية بطريقة أكثر توازناً.

منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة، عاد الخطاب الأميركي إلى التأكيد على مبدأ «تقاسم الأعباء»، وهو المفهوم الذي يتجاوز الحسابات المالية إلى إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. وترى واشنطن أنها لم تعد مستعدة لمواصلة تحمل نصيب الأسد من تكلفة الدفاع عن أوروبا، في حين تستفيد بعض الدول من المظلة الأمنية الأميركية من دون الالتزام بالمستوى المطلوب من الإنفاق العسكري.

ولهذا السبب، جاءت تصريحات ترامب خلال قمة أنقرة حادة وغير مسبوقة، عندما أعرب عن استيائه من أداء الناتو، معتبراً أن عدداً من أعضائه لم يساهموا بشكل كافٍ في الدفاع الجماعي، وأن الولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات لحماية أوروبا من التهديدات الروسية، في حين أنها لم تحصل على مستوى مماثل من التضامن في الملفات التي تعتبرها واشنطن جزءاً من أمنها القومي.

ومع ذلك، فإن الحدث الأكثر أهمية في القمة لم يكن موجهاً إلى أوروبا، بل إلى تركيا. أعلن الرئيس الأمريكي عزمه رفع العقوبات المفروضة على أنقرة، والنظر بإيجابية إلى عودة ملف الطائرات المقاتلة إف -35وهو يمثل تحولاً سياسياً واستراتيجياً مهماً للغاية، بعد أن ظلت العلاقات الثنائية رهينة لسنوات لأزمة شراء تركيا لمنظومة الدفاع الروسية. إس-400وأدت هذه الأزمة إلى استبعاد أنقرة من برنامج الطائرات الأكثر تقدما في العالم، وفرض عقوبات عليها بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا.

ولا يمكن تفسير هذا التحول باعتباره مجرد مبادرة لتحسين العلاقات الثنائية، بل يعكس وعياً أميركياً متزايداً بأن تركيا أصبحت لاعباً لا مفر منه في المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية. وتسيطر تركيا اليوم على المضائق البحرية التي تربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط، وتحتل موقعا محوريا في جنوب الحلف، وتمتلك ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي. كما تلعب دورًا متقدمًا في ملفات أوكرانيا وسوريا والقوقاز والبلقان وشرق البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى مكانتها الصاعدة في الصناعات الدفاعية، حيث تحولت خلال العقد الماضي إلى أحد أبرز منتجي الطائرات بدون طيار والأنظمة العسكرية المتقدمة.

ولعل ما يلفت الانتباه هو أن قمة أنقرة لم تكن قمة أمنية فحسب، بل رافقها منتدى للصناعات الدفاعية وصفقات الأسلحة الكبرى، في إشارة واضحة إلى أن المنافسة العسكرية لم تعد مقتصرة على مجال العمليات، بل أصبحت جزءا من المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.

وفي الوقت نفسه، كشفت القمة عن مدى التحول في النظرة الأمريكية تجاه إيران، حيث اعتبر الأمين العام للحلف أن الأنشطة الإيرانية في الممرات البحرية تجعل الرد الأمريكي مبررا، فيما أشار إلى أن أوروبا كانت منصة رئيسية للعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة. ويكشف هذا التصريح أن الناتو لم يعد معنياً بالدفاع عن أوروبا فقط، بل أصبح يتحرك ضمن رؤية أوسع تربط أمن أوروبا بشكل مباشر بأمن الشرق الأوسط والممرات البحرية الدولية.

كما برزت أوكرانيا مرة أخرى على رأس الأجندة، مع استمرار التعهدات الأوروبية والكندية برفع الإنفاق الدفاعي وتقديم المزيد من الدعم العسكري لكييف، في ضوء اقتناع متزايد بأن الحرب الروسية الأوكرانية غيرت بشكل جذري عقيدة الدفاع الغربية، وأن الردع لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية.

في المقابل، لم تغب الخلافات الداخلية عن القمة. وأثارت تصريحات ترامب بشأن غرينلاند وانتقاداته اللاذعة لإسبانيا، بالإضافة إلى اختلاف المواقف الأوروبية تجاه بعض القضايا، تساؤلات حول مدى تماسك الحلف في مواجهة التحديات المقبلة. لكن هذه الخلافات تبدو أقرب إلى الخلافات في إدارة المصالح، وليس إلى انقسام في الرؤية الاستراتيجية العامة، لأن جميع الأطراف تدرك أن البيئة الدولية الحالية لا تسمح بإضعاف الناتو أو التشكيك في ضرورته.

أما تركيا فقد خرجت من القمة بمكاسب سياسية واضحة. عودة الحديث عن رفع العقوبات، وإحياء الملف إف -35وهي تعطي أنقرة اعترافاً أميركياً ضمنياً بأن سياسة عزلها لم تحقق أهدافها، وأن إعادتها إلى قلب النظام الغربي أصبحت أكثر أهمية من استمرار الخلافات السابقة.

وفي الختام، تكشف قمة أنقرة أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات، حيث لم تعد العلاقات الدولية تدار بمنطق الثوابت الجامدة، بل وفق موازين المصالح المتغيرة. والولايات المتحدة لا تتخلى عن قيادة حلف شمال الأطلسي، لكنها تعيد تعريف شروط هذه القيادة، وتطالب شركائها بتحمل مسؤوليات أكبر، وفي الوقت نفسه تعيد جذب القوى الإقليمية التي أثبتت أهميتها الجيوسياسية، وأبرزها تركيا.

ومن هنا، لا ينبغي قراءة تطور الموقف الأميركي تجاه أنقرة على أنه تنازل سياسي، بل كجزء من إعادة هندسة التوازنات داخل الحلف استعداداً لمرحلة دولية أكثر تعقيداً، يتقاطع فيها التنافس بين القوى الكبرى مع الأزمات الإقليمية، وتتقدم فيها البراغماتية على الاعتبارات الأيديولوجية. وإذا كانت قمة أنقرة حملت عنوان تعزيز القدرات الدفاعية، فإن رسالتها الأعمق كانت أن النظام الغربي نفسه يمر بعملية إعادة تموضع شاملة، وأن خرائط النفوذ داخل الناتو لم تعد كما كانت، بل بدأت ترسم من جديد وفق معادلات القوة والقدرة على التأثير، وليس وفق الإرث السياسي وحده.

المحامي أسامة العرب

#قمة #أنقرة. #هل #تعيد #أمريكا #رسم #بنية #الناتو

قمة أنقرة.. هل تعيد أمريكا رسم بنية الناتو؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – قمة أنقرة.. هل تعيد أمريكا رسم بنية الناتو؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.