.

اراء و اقلام الدستور – تركيا تعيد هندسة قوتها العسكرية: حلف شمال الأطلسي أم المنطقة؟

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – تركيا تعيد هندسة قوتها العسكرية: حلف شمال الأطلسي أم المنطقة؟


دستور نيوز

بقلم د. سمير صالحة

“أساس ميديا”

تحتل تركيا مكانة متقدمة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متجاوزة موقعها السياسي أو الجيوسياسي التقليدي الذي فتح لها الأبواب قبل نحو ثمانية عقود. ولم يعد المشهد يدور فقط حول تركيا، العضو في نظام أمني غربي، بل يدور أيضاً حول دورها المتزايد في إعادة تحديد وظيفة قوتها العسكرية داخل التحالف وخارجه.

لم تعد العلاقة بين تركيا وحلف شمال الأطلسي مفهومة من زاوية واحدة، بل من خلال ثلاث دوائر تعمل في وقت واحد:

-1 تقوم وزارة الأطلسي بإعادة بناء صناعتها الدفاعية تحت ضغط الحرب في أوكرانيا.

2- دائرة أوروبية تسعى إلى تقليل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة.

3- تعمل دائرة تركية على توسيع صناعتها الدفاعية لتصبح جزءاً من سلاسل الإنتاج الغربية، وتكون في الوقت نفسه مصدراً أساسياً للسلاح في محيطها الإقليمي.

وتطرح هنا مجموعة من الأسئلة لفهم كيف تتشكل معادلة القوة الجديدة التي تحاول أنقرة تثبيتها: كيف أصبحت تركيا حلقة أساسية في إعادة تحديد وظيفة القوة داخل الحلف وخارجه؟ وإلى أي مدى يمكن لعضو داخل الحلف أن يتحول إلى مصدر قوة خارجه دون إحداث خلل داخلي؟ فهل يعكس النموذج التركي حالة استثنائية أم بداية تحول أوسع في بنية التحالفات العسكرية؟

تحول تدريجي في العلاقة

وتشهد العلاقة بين تركيا والفضاء الغربي تحولا تدريجيا لم يعد يقتصر على التعاون العسكري أو تبادل الخبرات الدفاعية، بل امتد إلى إعادة تشكيل بنية الإنتاج العسكري نفسه. ولم يعد موقع تركيا داخل الحلف مرتبطا فقط بموقعها الجغرافي أو الحاجة إلى التكنولوجيا الغربية، بل بقدرتها على الاندماج في البنية الصناعية للأمن الغربي، دون التخلي عن امتداداتها السياسية والأمنية نحو الشرق.

وتتحرك تركيا في هذا الفضاء من خلال مستويين متداخلين: الإنتاج الدفاعي المحلي المتسارع والمشاركة في مشاريع أوروبية محددة. لقد أصبح جزءاً من نظام الإنتاج الغربي دون أن يندمج فيه بشكل كامل. وهكذا تنتقل من دولة تعمل تحت مظلة أمنية تقليدية إلى جهة فاعلة تشارك في تشكيل جزء من البنية الصناعية للأمن الغربي من الداخل.

من هنا تبرز مشكلة تتجاوز العلاقة بين تركيا وأوروبا ضمن حلف شمال الأطلسي، وتمتد إلى طبيعة البنية الأطلسية نفسها: هل يشكل دخول تركيا إلى سلاسل الإنتاج الدفاعي الغربي عنصر استقرار داخل الحلف أم عامل إعادة توزيع للقوى قد يغير توازناتها الداخلية على المدى الطويل؟ فكيف سينعكس المسار المقابل، الذي تعمل فيه تركيا خارج الإطار التقليدي لحلف شمال الأطلسي، في الفضاء الإقليمي الذي يشهد إعادة تموضع وبناء تحالفات عسكرية وسياسية واقتصادية؟

خلال العقد الماضي، برزت الصناعات الدفاعية التركية كأحد أبرز محركات تموضع تركيا الإقليمي والدولي، خاصة في مجالات الطائرات بدون طيار والأنظمة التكتيكية والذخائر الذكية، وهي أنظمة لم تعد مقتصرة على الاستخدام الداخلي، بل تحولت إلى أدوات للتصدير العسكري إلى الشرق والغرب على حد سواء.

ويعكس هذا التحول تحولاً تدريجياً في وظيفة القوة العسكرية التركية من الاستخدام الدفاعي إلى الاستخدام السياسي والأمني ​​الخارجي، مما يعيد تشكيل موقعها في البيئتين الإقليمية والدولية.

توسيع الوجود العسكري

وفي هذا السياق، تعتمد تركيا على ثلاث طبقات مترابطة لتوسيع وجودها العسكري الخارجي:

1- تصدير الأنظمة الدفاعية.

2- بناء شراكات عسكرية ثنائية قائمة على التدريب والتنسيق.

3- توسيع شبكات التعاون الدفاعي خارج الإطار الغربي التقليدي.

وهكذا، لا تبدو تركيا مصدراً للسلاح، بل فاعلاً يجعل من قدراته الصناعية والعسكرية إحدى أدوات حضوره السياسي والأمني ​​الخارجي، وينتقل من منطق حماية الفضاء الحيوي إلى منطق إعادة إنتاجه عبر الأدوات الصناعية العسكرية المتقدمة.

لكن هذا التوسع الخارجي في استخدام القوة العسكرية يطرح سؤالاً استراتيجياً يتعلق بحدود الحركة التركية بين المسارين الغربي والإقليمي: هل تستطيع تركيا تعميق اندماجها ضمن البنية الصناعية لحلف الناتو، وفي الوقت نفسه توسيع استخدام أدواتها العسكرية في مساحات لا تخضع لمنطقها المؤسسي، أم أن هذا التوسع يخلق تناقضات في الرؤية الاستراتيجية بينها وبين حلفائها الغربيين، حيث تسعى إلى بناء حضور متزايد في الناتو؟ أنظمة أمنية إقليمية أكثر استقلالية؟

وهكذا يصبح من الواضح أن تركيا لا تنقل نموذج الناتو إلى المنطقة، بل تنقل قدراتها الصناعية كأداة للتكيف مع البيئات الأمنية المختلفة.

التحرك في بيئتين مختلفتين

لم يعد التحدي الذي يواجه تركيا يتعلق بالحفاظ على موقعها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو توسيع حضورها الدفاعي في محيطها الإقليمي، بل يتعلق بإدارة العلاقة بين المسارين في وقت واحد. وتتحرك أنقرة ضمن بيئتين أمنيتين تختلفان في قواعد العمل، لكنها لا تنظر إليهما كبديلين متنافسين، بل كمجالي حركة متكاملين، مما يجعل التوازن بينهما جزءا من إعادة صياغة دورها العسكري وليس أداة لإدارة علاقاتها الخارجية.

وهذا التناقض لا يجبر تركيا على إدارة مسارين مختلفين فحسب، بل يضعها أيضًا أمام منطقين مختلفين في بناء الأمن والتحالف. وفي حين يرتكز الإطار الأطلسي على قواعد مؤسسية مستقرة وتكامل طويل الأمد، فإن الشراكات الإقليمية تتحرك بمنطق أكثر مرونة تحكمه اعتبارات السرعة، والحس العملي، والأولويات المتغيرة. وهنا تتحدد قيمة الحركة بين هذين المنطقين كعنصر من عناصر القوة الاستراتيجية.

لذلك، ومن خلال الجمع بين التكامل الأطلسي والانفتاح الإقليمي، لا تعمل أنقرة على توسيع خياراتها فحسب، بل تختبر أسلوبًا مختلفًا في التموضع الاستراتيجي يعتمد على دوائر اشتباك متعددة بدلاً من الاكتفاء بمسار واحد يحدد اتجاه الحركة وحدودها.

تمثل الحالة التركية أحد أبرز النماذج التي تعيد اختبار حدود العلاقة بين الانتماء المؤسسي وتوسيع هامش الحركة خارجه، دون القطيعة مع أي من المسارين. بالنسبة لتركيا، لم تعد القوة تقاس باختيار الانحياز داخل نظام أو آخر، بل بقدرتها على إدارة دوائر متعددة من المشاركة ضمن بيئة أمنية ديناميكية تتداخل فيها المصالح والحسابات. وبهذا المعنى، تكشف الحالة التركية أن التحالفات العسكرية لم تعد مبنية على منطق الانتماء الصلب وحده، بل على القدرة على إدارة هذه التعددية دون المساس بالانتماءات القائمة.

د. سمير صالحة

#تركيا #تعيد #هندسة #قوتها #العسكرية #حلف #شمال #الأطلسي #أم #المنطقة

تركيا تعيد هندسة قوتها العسكرية: حلف شمال الأطلسي أم المنطقة؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – تركيا تعيد هندسة قوتها العسكرية: حلف شمال الأطلسي أم المنطقة؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.