دستور نيوز
بقلم موفق حرب
“أساس ميديا”
من النادر أن تبدو السياسة الأميركية وكأنها تتحدث لغتين. لكن هذا هو الانطباع الذي تركه الملف اللبناني اليوم. وفي غضون أسابيع قليلة، ظهرت وثيقتان برعاية الإدارة الأميركية، وكلاهما تتناولان لبنان، لكنهما تنطلقان من فرضيتين مختلفتين، وربما متناقضتين: الأولى هي مذكرة المبادئ التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدرجت لبنان في بندها الأول، والثانية هي اتفاق الإطار الذي قدمته واشنطن كبداية لإخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، وليس تثبيته فيه.
والسؤال ليس أي الاتفاقين أفضل، بل كيف يمكن أن يكون الاثنان جزءا من سياسة أميركية واحدة؟
للمرة الأولى، على الأقل في وثيقة معلنة، يبدو أن الولايات المتحدة قبلت أن يكون لبنان جزءاً من المفاوضات المباشرة مع إيران. وهذا تطور مهم لأن السياسة الأميركية، على مدى عقود، كانت تقوم، نظرياً على الأقل، على فصل سيادة لبنان عن ملفات المفاوضات الإقليمية. وحتى عندما كانت واشنطن على علم بحجم النفوذ الإيراني داخل لبنان، تجنبت منحه شرعية مكتوبة أو الاعتراف به كأساس للتفاوض.
إن لبنان هو قلب شؤون المنطقة
واليوم، يحمل إدراج لبنان في قلب التفاهم الأميركي ـ الإيراني أهمية سياسية تتجاوز الترتيب الأمني البحت، إذ يعني عملياً الاعتراف بأن استقرار جنوب لبنان مرتبط بمجموعة أكبر من الملفات: أمن الخليج، ومضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والاقتصاد العالمي، ودور «الحزب». أي أن لبنان لم يعد ملفاً قائماً بذاته، بل أصبح جزءاً من سلة المفاوضات الإقليمية. قد يقول البعض أن هذا اعتراف بالواقع وليس أكثر. وربما هذا صحيح. لكن الاعتراف بالواقع شيء، وتحويله إلى أساس مكتوب للتفاوض شيء آخر تماما.
ثم جاء اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي ليقدم رواية مختلفة تماما. وبحسب الخطاب الأميركي والإسرائيلي، لم يعد لبنان ورقة إيرانية، بل أصبح بلداً يفترض أن يستعيد سيادته عبر انتشار الجيش، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتهاء الدور العسكري لـ«حزب الله»، واحتكار الدولة اللبنانية للسلاح. بل إن ماركو روبيو ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدث عن «فرصة تاريخية» لإنهاء الفترة التي كان فيها لبنان جزءاً من المشروع الإيراني.
وهنا تبدأ المفارقة. إذا كانت واشنطن تتفاوض مع إيران بشأن لبنان، فهي تعترف ضمناً بأن لإيران رأياً أساسياً في مستقبله. أما إذا كانت تعمل في الوقت نفسه على إخراج لبنان من النفوذ الإيراني، فإنها تفترض أن هذا النفوذ يمكن تجاوزه أو إنهاؤه من دون موافقة طهران.
أكثر من مركز قرار
ولا تتلاءم الفرضيتان بسهولة ما لم تتبنى الإدارة الأميركية استراتيجية ذات مرحلتين: الأولى استخدام إيران لتسهيل المرحلة الانتقالية، والثانية تقليص نفوذها تدريجياً بعد تثبيت الترتيبات الجديدة. لكن هذه الفرضية في حد ذاتها تواجه سؤالاً بالغ الصعوبة: لماذا تساعد إيران في تفكيك أحد أهم مصادر نفوذها الإقليمي، من دون تعويض استراتيجي كبير؟
وهنا يبدو الانطباع بأن ما يحدث ليس بالضرورة نتيجة استراتيجية واحدة متماسكة، بل نتيجة وجود أكثر من مركز قرار داخل الإدارة. وهناك من يعتقد أن فريق التفاوض مع إيران، الذي يضم شخصيات مقربة من الرئيس مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب دوائر تميل إلى النهج التفاوضي، ينظر إلى لبنان على أنه ورقة يمكن استخدامها للتوصل إلى اتفاق أوسع مع طهران.
في المقابل، يبدو أن فريق الخارجية بقيادة ماركو روبيو، ومعه المؤسسات الأمنية والعسكرية الأميركية، يتعامل مع لبنان كساحة يجب إخراجها كلياً من المعادلة الإيرانية، وليس تعزيز موقعها فيها.
ربما يعمل الفريقان في النهاية نحو نفس الهدف، لكنهما يستخدمان مسارات مختلفة تمامًا. الأول يقول: المشكلة اللبنانية لا يمكن حلها دون التفاهم مع إيران. والثاني يقول: لا يمكن بناء لبنان الجديد إذا بقي مرتبطاً بإيران.
والمفارقة هي أن الرئيس ترامب نفسه يبدو في بعض الأحيان وكأنه يتحرك بين النهجين. فمن ناحية، لا يخفي رغبته في تحقيق اتفاق كبير مع إيران يقدمه على أنه إنجاز دبلوماسي تاريخي، ومن ناحية أخرى يتحدث مراراً وتكراراً عن ضرورة إنهاء نفوذ الميليشيات ودعم الدولة اللبنانية وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
مسارات متوازية
وهذا يفتح سؤالاً أكبر من لبنان نفسه: هل لدى إدارة ترامب استراتيجية واحدة للشرق الأوسط أم أنها تسير عدة مسارات متوازية، على أمل نجاح أحدها؟
ويقدم التاريخ الأميركي سوابق مماثلة. وفي مراحل عديدة، كانت الإدارات الأميركية تتفاوض مع خصومها، بينما تعمل في الوقت نفسه على تقليص نفوذهم في ساحات أخرى. لكن نجاح هذا النهج كان يعتمد دائما على وجود هدف نهائي واضح لا تتعارض معه الأدوات.
ولكن عندما تتحول نفس الأدوات إلى رسائل متضاربة، فإن الحلفاء والخصوم يبدأون في طرح نفس السؤال: أي أميركا ينبغي لنا أن نصدق؟
في لبنان، هذا السؤال ليس نظريا. وإذا تقرر مستقبل الجنوب في المفاوضات مع إيران فإن الاتفاق الإطاري ليس إلا آلية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في أماكن أخرى. أما إذا كان اتفاق الإطار هو المسار الحقيقي، فإن إدراج لبنان في التفاهم مع إيران يصبح تنازلاً سياسياً يصعب تفسيره.
ولعل الاحتمال الثالث هو الأقرب لطبيعة إدارة ترامب: فهي لا ترى تناقضا بين المسارين على الإطلاق، فهي تستخدم كل ورقة متاحة في الوقت نفسه، وتفتح أكثر من باب للتفاوض، ثم تمنح الشرعية في النهاية للمسار الذي يحقق النتيجة التي تريدها على الأرض. وفي هذه الحالة لن يكون السؤال: من كتب الوثائق؟ ولا أي فريق فاز داخل الإدارة؟ بل ما هو الطريق الذي سينجح في تغيير الحقائق؟
بالتوفيق حرب
#لبنان #بين #مسارين #أميركيين #متناقضين
لبنان بين مسارين أميركيين متناقضين
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان بين مسارين أميركيين متناقضين
المصدر : www.elsharkonline.com
