.

اراء و اقلام الدستور – الاعتداء على رئيس الجمهورية.. تجاوز للخطوط الحمراء ويمس بهيبة الدولة

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – الاعتداء على رئيس الجمهورية.. تجاوز للخطوط الحمراء ويمس بهيبة الدولة


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

وفي الدول التي تحترم مؤسساتها، يبقى منصب رئاسة الجمهورية فوق الخلافات اليومية، لأن احترام المنصب الدستوري لا يعتبر امتيازا لشخص الرئيس، بل احتراما للدولة نفسها والدستور الذي ينظم الحياة السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن مهاجمة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أو استهداف منصب الرئاسة الأولى بحملات سياسية أو إعلامية تتجاوز حدود النقد المسؤول، يشكل تجاوزاً للخطوط الحمراء التي يجب الحفاظ عليها حفاظاً على هيبة الدولة ووحدة مؤسساتها.

لقد عرف لبنان، عبر تاريخه، أن إضعاف المؤسسات الدستورية لم يكن يوماً مقدمة للإصلاح، بل كان دائماً مقدمة لمزيد من الانقسام والفراغ والفوضى. ولذلك فإن الحفاظ على منصب رئاسة الجمهورية لا يرتبط بشخص الرئيس أو انتمائه أو خياراته السياسية، بل يرتبط بضرورة حماية أحد ركائز النظام الدستوري اللبناني، الذي يقوم على توازن السلطات واحترام المواقع الوطنية.

من الثابت في العلوم السياسية أن الدول لا تقاس بقوة جيوشها أو اقتصاداتها فحسب، بل وأيضاً بمدى احترامها لمؤسساتها الدستورية ورموزها الوطنية. وعندما تُنتهك هذه المؤسسات، تتراجع هيبة الدولة، وتصبح لغة الشارع أقوى من لغة القانون، وتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تهدد السلم الأهلي والاستقرار الوطني.

ومن الناحية الدستورية، يمثل رئيس الجمهورية بحكم منصبه رمز وحدة الأمة والضامن لاستمرارية الدولة، على النحو المنصوص عليه صراحة في الدستور اللبناني. ولذلك فإن أي استهداف لمنصبه لا يؤثر فقط على شخصه، بل يؤثر أيضا على البنية القانونية التي يقوم عليها النظام السياسي برمته. وتحيط الدساتير الحديثة، في مختلف الأنظمة البرلمانية والرئاسية، منصب رئيس الدولة بحصانة أخلاقية تعادل الحصانة القانونية، إدراكا منها أن استقرار الدولة يبدأ باحترام رمزيتها العليا.

وفي هذا السياق، جاءت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لتؤكد تمسكه بمنطق الدولة، وتحذيره الواضح من الفتنة وأي محاولة لإسقاط الحكومة أو إغراق البلاد في دوامة انقسامات جديدة. هذه المواقف تنبع من إدراك عميق لحجم المخاطر التي تحيط بلبنان، في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية والإقليمية التي تتطلب أعلى مستويات الحكمة والمسؤولية الوطنية.

وتأكيده أن اللبنانيين لا يريدون العودة إلى الحرب الأهلية، وأن الجيش اللبناني سيبقى الضامن للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، يعكس رؤية وطنية ترتكز على المؤسسة العسكرية باعتبارها المؤسسة الجامعة التي، رغم كل الظروف، بعيدة عن الانقسامات الطائفية والسياسية، وقادرة على حماية الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد.

ولعل اللافت في مواقف رئيس الجمهورية هو رفضه الانجرار إلى الخطابات الشعبوية أو المغامرات السياسية، بل سعيه الدائم للبحث عن حلول واقعية تخرج لبنان من دوامة الحروب والأزمات، انطلاقا من أن مسؤولية رئيس الدولة هي حماية المواطنين والحفاظ على حياتهم ومستقبلهم، وليس إدارة الصراعات أو تأجيجها.

في الوقت نفسه، فإن إشادته بالدور الوطني الذي لعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري في منع الفتنة، يعكس وعياً بأن المرحلة الحالية تتطلب تعاون جميع القيادات الدستورية والسياسية، بعيداً عن المنطق الخبيث أو تسجيل النقاط، لأن لبنان لا يحتمل المزيد من الانقسامات، بل يحتاج إلى التقارب على الثوابت الوطنية التي تحفظ السلم الأهلي وتحمي مؤسسات الدولة.

وتظهر تجارب العديد من الدول التي تعاني من أزمات سياسية أن تراجع هيبة رئيس الدولة كان في كثير من الأحيان مقدمة لانهيارات أوسع طالت مؤسسات الدولة كافة، وليس الرئاسة فقط. وعندما تفقد الرمزية الوطنية حصانتها، تنفتح الأبواب أمام صراعات السلطة والانقسامات الداخلية، ويتحول العمل السياسي من الفعل البناء إلى ساحة مواجهة تستنزف طاقات البلاد وتهدد نسيجها الاجتماعي.

ولذلك فإن النقد السياسي حق مشروع تكفله الديمقراطية، لكنه يختلف جذريا عن حملات التشهير أو محاولات النيل من موقف الرئاسة الأولى. المعارضة السياسية يمكن أن تكون قوية وحازمة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى استهداف المؤسسات الدستورية أو النيل من هيبة الدولة، لأن الخاسر الأول في هذه الحالة هو لبنان بكل مكوناته.

وبينما تثار اليوم على الساحة اللبنانية أكثر من قضية خلافية، فإن المطلوب ليس المزيد من التصعيد أو استهداف الرموز الدستورية، بل الدخول في حوار وطني جدي يرسخ مبدأ الشراكة بين مختلف المكونات، ويعيد الاحترام لمؤسسات الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية لبنان من الانزلاق إلى المجهول.

ولا يمكن الحديث عن حماية هيبة الرئاسة الأولى دون الإشارة إلى المسؤولية الملقاة على عاتق وسائل الإعلام في منابرها المختلفة. الإعلام الحر لا يعني الإعلام الذي يتجاوز الحدود المهنية والأخلاقية في التعامل مع الرموز الوطنية، بل هو الإعلام الذي يمارس النقد البناء في إطار المسؤولية الوطنية. وعندما تتحول بعض المنصات الإعلامية إلى أداة للتحريض أو التشهير الشخصي، فإنها تساهم، عن علم أو بغير علم، في زعزعة ثقة الجمهور في المؤسسات، وتأجيج أجواء الفوضى السياسية.

وفي الختام، فإن الدفاع عن رئاسة الجمهورية ليس دفاعاً عن شخص، بل دفاعاً عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية. وإذا كان اختلاف الرؤى والسياسات أمراً طبيعياً في الأنظمة الديمقراطية، فإن الحفاظ على احترام الرئاسة الأولى يبقى واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يجوز التفريط فيه. لبنان، في هذه المرحلة الدقيقة، يحتاج إلى ترسيخ منطق الدولة، والالتفاف حول مؤسساته الشرعية، والخطاب المسؤول الذي يرفض الفتنة ويحافظ على الاستقرار، لأن هيبة الرئاسة جزء من هيبة الجمهورية، واحترامها هو احترام لبنان نفسه.

د. ابراهيم العرب

#الاعتداء #على #رئيس #الجمهورية. #تجاوز #للخطوط #الحمراء #ويمس #بهيبة #الدولة

الاعتداء على رئيس الجمهورية.. تجاوز للخطوط الحمراء ويمس بهيبة الدولة

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الاعتداء على رئيس الجمهورية.. تجاوز للخطوط الحمراء ويمس بهيبة الدولة

المصدر : www.elsharkonline.com

.