.

اراء و اقلام الدستور – الناتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – الناتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره


دستور نيوز

بقلم د. سمير صالحة
“أساس ميديا”
إن منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تأسست في منتصف القرن العشرين لتكون تحالفاً ذا مهام وتنافسات واضحة، لم تعد تتحرك اليوم ضمن التوازنات الكلاسيكية التي شكلت معالمها وحددت أهدافها قبل أكثر من سبعة عقود. لم يعد من الممكن فصل الأمن عن السياسة، ولا قراءة بنية التحالف باستخدام نفس الأدوات التي حكمت حقبة الحرب الباردة، لأن البيئة الدولية التي نشأ فيها تغيرت جذريا، ولأن طبيعة الصراع الذي أسس لمواجهته لم تعد محتفظة بأسبابها ودوافعها القديمة.
وكانت المهمة خلال سنوات الحرب الباردة واضحة: ردع الاتحاد السوفييتي ومنع توسعه في أوروبا الغربية. ورغم انهيار النظام السوفييتي أواخر الثمانينات، فإن مهمة الحلف لم تنته، بل انتهى وضوحها. وانتقلت إلى مرحلة تفتقر إلى عدو مركزي. ثم وسّعت مهامها إلى خارج حدودها التقليدية، وتحولت تدريجياً من تحالف يمنع الأزمات إلى إطار يديرها. ومع عودة روسيا إلى طليعة التهديدات الأمنية، وصعود الصين وتحولها إلى قوة منافسة على المدى الطويل، وجد حلف شمال الأطلسي نفسه في مواجهة بيئة استراتيجية لم تعد قائمة على خصم واحد، بل على شبكة مترابطة من التهديدات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والسيبرانية.
السؤال داخل الحلف لم يعد يتعلق بما سيقرره في قمته المقبلة في أنقرة، بقدر ما يتعلق بقدرته على إعادة تعريف معنى القرار نفسه، في مرحلة تتغير فيها طبيعة التهديدات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات التقليدية على التكيف معها.
إنتاج مبررات للوجود؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. إن منظمة حلف شمال الأطلسي، التي اعتادت لعقود من الزمن على تبرير وجودها بمنطق الردع، مطالبة اليوم بإدارة حالة ممتدة من عدم اليقين الاستراتيجي. لم يعد المطلوب هزيمة خصم معين، بل إدارة الصراعات المفتوحة، ومنع الاختلالات، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة متغيرة باستمرار.
ولهذا السبب فإن الحلف لا يطرق أبواب أنقرة كمحطة بروتوكولية، بل كحلقة وصل في مسار أعاد تعريف وظيفة الحلف في بيئة دولية سريعة التغير. ومع كل مرحلة تاريخية، لم يكن حلف شمال الأطلسي يضيف مهمة جديدة فحسب، بل كان أيضاً يعيد صياغة مفهوم الأمن الجماعي ذاته.
ولم يعد حلف شمال الأطلسي يُقاس فقط بقدرته على توفير الردع العسكري، بل بقدرته على إعادة إنتاج مبررات وجوده داخل عالم لم يعد يزوده بعدو ثابت أو تهديد واحد يمكن أن يبني عليه عقيدته.
ومع ذلك، فإن قدرة الحلف على التكيف مع المتغيرات لا تعني أنه لا يزال يتمتع بنفس القدرة على تشكيل البيئة الدولية. إن حلف شمال الأطلسي، الذي كان من أبرز صانعي التوازن، يتحرك اليوم ضمن معادلات إقليمية ودولية تنشأ خارجه أيضا. والسؤال لم يعد مجرد: كيف يدير الأزمات؟ فهل ما زال قادرا على التأثير في شكل النظام الدولي؟
وهذا يعني أن استمرارية الناتو لا تفسر باستقرار عقيدته، بل بمرونته في تعديلها كلما تغير شكل النظام الدولي. إلا أن هذه المرونة أنتجت مفارقة جوهرية: فكلما اتسعت وظائف الحلف، كلما أصبح من الصعب تحديد هويته، وكلما زاد تكيفه، كلما تعمق الجدل حول حدوده ودوره.
وفي هذه المرحلة بالتحديد تكتسب قمة أنقرة معناها الحقيقي. فهو لا يختبر قراراً جديداً فحسب، بل إنه يختبر أيضاً موقف حلف شمال الأطلنطي في إطار نظام دولي لم يعد يمنح التحالفات التقليدية هامش الحركة المعتاد.
وفي ظل هذه التحولات لا يصبح السؤال: ماذا ستنتج قمة أنقرة، بل ماذا يكشف مسار الناتو منذ نهاية الحرب الباردة حتى اليوم؟ فكيف انتقلت من تحالف يقوم على ردع تهديد واضح إلى نظام أمني يدير مجموعة واسعة من التهديدات غير المحددة بشكل كامل؟ فما الذي يفسر قدرته على الاستمرار رغم هذا التحول العميق في مهامه وطبيعة بيئته الاستراتيجية؟ فهل يمكن فهم استمرارية حلف شمال الأطلسي على أنها نتيجة للمرونة المؤسسية المتراكمة مع مرور الوقت، أم باعتبارها استجابة دائمة لحاجة أمنية تتجدد مع تجديد النظام الدولي ذاته، على مسار لم تكتمل معالمه النهائية بعد؟
لفهم طبيعة التحول الذي يعيشه حلف شمال الأطلسي اليوم، لا يكفي أن نتتبع مسار توسعه الجغرافي أو محطاته العسكرية. بل يتعين علينا أن نعود إلى الطريقة التي أعادت بها تحديد وظيفتها مع كل تحول في النظام الدولي.
وظهر التحالف في عام 1949 كهيكل ردع جماعي في الحرب الباردة، يقوم على مبدأ مفاده أن أمن أي عضو هو جزء من أمن التحالف. لكن نهاية الحرب الباردة لم تنه الحاجة إليها، بل فتحت سؤالا وجوديا: ما الذي يجب أن يفعله التحالف الذي أنشئ لمواجهة خصم لم يعد موجودا؟
وجاء الجواب عبر مسارين: إعادة تحديد الوظيفة وتوسيع المجال الحيوي للحلف.
من هنا، لم تبدأ مرحلة التوسع الأطلسي كتوسع جغرافي فحسب، بل كإعادة صياغة لوظيفة الناتو، من خلال دمج دول أوروبا الشرقية، وبناء شبكة واسعة من الشراكات مع دول خارج العضوية الرسمية، تسعى للاستفادة من المظلة الأمنية للحلف والانخراط في بيئته الاستراتيجية.
لكن التحول الأعمق لم يكن جغرافيا، بل مفاهيميا، حيث انتقل مفهوم الأمن من حدود الدولة التقليدية إلى مساحات أوسع تشمل الأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا، وحماية البنية التحتية، ومواجهة التهديدات الهجينة.
بيئة متعددة المخاطر؟
منذ عام 2014، ثم بشكل أكثر حدة بعد عام 2022، أصبح التوسع الأطلسي جزءًا من إعادة بناء نظام الردع على الجبهة الشرقية، بالتوازي مع صعود الصين، مما جعلها عنصرًا حاضرًا بشكل متزايد في التفكير الاستراتيجي الأطلسي.
لكن هذا التوسع كان يحمل في طياته مفارقة واضحة. وكلما توسع التحالف جغرافياً ومهامه، كلما تباعدت أولويات أعضائه، واتسع نطاق الخلاف في تحديد طبيعة الخطر ودرجته. وهنا تتبلور معادلة الناتو الحديثة: توسيع الدور يقابله زيادة في التناقضات الداخلية.
وعلى الرغم من التحولات العميقة في العقيدة والمهام، فقد ظل هناك ثابت واحد منذ تأسيسها: آلية الإجماع. وهذه الآلية التي كانت مصدر قوة خلال الحرب الباردة، تحولت تدريجياً إلى عنصر بطء في بيئة سريعة التغير.
وبين التهديدات السريعة المتعددة الاتجاهات والقرار الجماعي الذي يتطلب الإجماع الكامل، تتسع الفجوة بين لحظة الخطر ولحظة القرار. ومع توسع العضوية وتعدد مراكز القوى داخل الحلف، لم يعد الإجماع آلية لصنع القرار، بل أصبح هدفًا سياسيًا في حد ذاته يستخدم للحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الناتو. وهكذا فإن أزمة اتخاذ القرار لم تعد مجرد تباطؤ مؤسسي، بل كشفت عن حدود قدرة الحلف على التوفيق بين وحدة الإرادة وتعدد المصالح.
وفي هذا السياق، فإن العامل الأكثر تأثيراً في مسار الناتو هو طبيعة التهديد نفسه، من حيث تعريفه وكيفية التعامل معه. ولم يعد التحالف يواجه خصماً واحداً، بل بيئة أمنية متعددة الاتجاهات: تهديد روسي مباشر على الجبهة الشرقية، وتحدي صيني طويل الأمد على مستوى النظام الدولي، بالإضافة إلى استمرار التهديدات المرتبطة بالإرهاب في أكثر من ساحة جغرافية، وتوسيع نطاق الاهتمام ليشمل حماية المصالح الاقتصادية والتجارية الاستراتيجية.
لا تبدو قمة أنقرة بمثابة محطة إضافية عابرة في مسار الناتو، بل هي لحظة تتقاطع فيها التحولات التي راكمها الحلف منذ نهاية الحرب الباردة في: العقيدة، ونطاق التوسع، وآلية اتخاذ القرار، وطبيعة التهديدات التي يواجهها.
ولا يقتصر ما تكشفه هذه المسارات على تطور في المهام، بل يتعدى ذلك إلى تحول أعمق في طبيعة عمل وأسلوب التحالف نفسه، من نظام يدير توازنات واضحة نسبيا، إلى بنية أمنية تتحرك ضمن بيئة تتغير فيها طبيعة التهديد قبل أن تكتمل أدوات التعامل معه.
وبالتالي فإن قمة أنقرة لا تُقرأ باعتبارها لحظة اتخاذ قرار بقدر ما تُقرأ باعتبارها لحظة اختبار: اختبار لموقف حلف شمال الأطلسي داخل نظام دولي لم يعد يمنح التحالفات التقليدية نفس هامش الحركة الذي عرفته منذ عقود من الزمن.
د. سمير صالحة

#الناتو #في #أنقرة #إعادة #تعريف #الحلف #ودوره

الناتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الناتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره

المصدر : www.elsharkonline.com

.