.

اراء و اقلام الدستور – رسائل الشيباني إلى بيروت: مصالحة وشراكة واستقرار

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – رسائل الشيباني إلى بيروت: مصالحة وشراكة واستقرار


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
لم تعد الزيارة الرسمية الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان مجرد توقف دبلوماسي في سياق العلاقات الثنائية. بل أصبح حدثاً سياسياً يحمل في طياته مؤشرات على تحول نوعي في مقاربة دمشق الجديدة لعلاقاتها مع بيروت. وتعكس الزيارة التي استهلها الشيباني بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا، بحضور وفدي البلدين، قبل أن ضم رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، إلى جانب عدد من القادة السياسيين، إرادة سورية واضحة لإعادة العلاقة مع لبنان على قواعد الدولة والمؤسسات بعيداً عن السياسة. إرث الوصاية والتدخل الذي ميز مراحل طويلة من التاريخ المشترك.
وتحظى هذه الزيارة بأهمية استثنائية لأنها تأتي حاملة مبادرة سياسية رسمها الرئيس السوري أحمد الشرع بخط يده، ويتولى الشيباني ترجمتها سياسيا ودبلوماسيا أمام المسؤولين اللبنانيين. وهي مبادرة ترتكز على مبدأ المساعدة والتكامل، وتؤكد أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى أي دور عسكري في لبنان، ولا إلى إحياء أنماط العلاقات السابقة، بل إلى بناء شراكة مبنية على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة.
ويبدو أن الرسالة الأبرز التي تحملها دمشق إلى بيروت هي تأكيد انتقال العلاقة بين البلدين من منطق النفوذ إلى منطق الشراكة، ومن العلاقات الشخصية والمحاور السياسية إلى العلاقات المؤسسية بين دولتين مستقلتين. ويسعى الرئيس أحمد الشرع إلى ترسيخ القناعة بأن سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان كشريك سيادي وليس ساحة نفوذ، وأن استقرار لبنان يمثل مصلحة سورية بقدر ما يمثل مصلحة لبنانية.
وفي هذا السياق قدمت دمشق خلال لقاءات الشيباني رؤية سياسية تساعد على معالجة إحدى القضايا اللبنانية الأكثر حساسية وهي مسألة حصر السلاح بالدولة. لكن المبادرة السورية لا تتبنى النهج الأمني ​​أو القسري، بل تقوم على تشجيع مسار سياسي توافقي بين اللبنانيين، وتجنب الانقسامات أو المواجهات الداخلية، انطلاقا من القناعة بأن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن حلها إلا من خلال الحوار والتفاهم، بعيدا عن فرض الحقائق أو اللجوء إلى القوة.
ومن هنا، اكتسب اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، ليس فقط لأنه اللقاء الأول على هذا المستوى بين القيادة السورية الجديدة وأحد أبرز ركائز الحياة السياسية اللبنانية، بل لأنه تناول سبل تخفيف التوتر الداخلي، وإمكانية مساهمة سوريا بالتنسيق مع شركائها العرب والإقليميين في احتواء أي توترات قد تصاحب المرحلة المقبلة، ومنع لبنان من الانزلاق إلى صراعات داخلية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة. وهذا يعكس وعياً سورياً بأن أمن لبنان واستقراره جزء من أمن واستقرار المنطقة.
ولا تقف المبادرة السورية عند حدود الملفات السياسية والأمنية، بل تمتد إلى رسم إطار متكامل للعلاقة المستقبلية بين البلدين، يقوم على تطوير التعاون السياسي والاقتصادي، وتعزيز التنسيق الأمني ​​لضبط الحدود ومنع التهريب، وعدم استخدام أراضي أي من البلدين للإضرار بالآخر، إضافة إلى تنشيط الاتفاقيات الثنائية وتفعيل اللجان المشتركة، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والتجاري والنقل والطاقة.
كما تتضمن المبادرة رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات الإقليمية، وأبرزها الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان وسوريا، والتأكيد على ضرورة سحب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة. ويأتي ذلك انسجاماً مع الموقف الذي سبق أن أعلنه الرئيس أحمد الشرع بشأن ضرورة استعادة مزارع شبعا من الاحتلال، على أن تتم معالجة مسألة هويتها القانونية لاحقاً من خلال التفاهم بين البلدين، بما يحفظ الحقوق ويؤسس لمنطق الحوار.
تحمل محطة طرابلس بعدا سياسيا ورمزيا لا يقل أهمية عن اللقاءات الرسمية. واختيار الشيباني لأداء صلاة الجمعة في مسجد السلام، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكثر المجازر المؤلمة في الذاكرة اللبنانية خلال سنوات الحرب السورية، يتجاوز الاعتبارات البروتوكولية، ويحمل دلالات أخلاقية عميقة. ويمثل المكان رمزاً لمعاناة مدينة طرابلس، ويُقرأ حضور أول وزير خارجية يمثل سوريا الجديدة لهذا المسجد كرسالة اعتراف بالألم، وإشارة إلى رغبة دمشق في طي صفحات الماضي المؤلمة، وفتح باب جديد للمصالحة واستعادة الثقة بين الشعبين.
وتكتسب هذه الرمزية أهمية مضاعفة لأنها تأتي دون أي لقاءات سياسية في المدينة، مما يعزز الانطباع بأن الرسالة موجهة إلى الضمير اللبناني أكثر من أنها موجهة إلى القوى السياسية، وأن دمشق تسعى إلى مخاطبة الذاكرة الجماعية بلغة المصالحة وليس بلغة الاصطفافات.
ولا يمكن فصل هذا التحول في الخطاب السوري عن المناخ العربي الداعم لإعادة بناء العلاقات بين دمشق وبيروت، خاصة في ظل الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار في المشرق العربي وإبعاد لبنان عن دوائر الصراع، بما يرسخ منطق الدولة ويعيد احترام المؤسسات الدستورية.
وفي الختام، تبدو زيارة أسعد الشيباني أكثر من مجرد زيارة رسمية. وهي محاولة سورية لصياغة عقد سياسي جديد مع لبنان، يقوم على احترام السيادة والتعاون والتكامل ومعالجة القضايا الخلافية عبر الحوار وليس الإملاء. لكن نجاح هذا النهج سيظل مرهونا بقدرة الطرفين على ترجمة النوايا إلى سياسات عملية، وعلى إرادة مشتركة للتغلب على إرث الماضي دون تجاهل دروسه.
إن العلاقات اللبنانية السورية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المتشابكة، لا يمكن أن تبنى على القطيعة أو الهيمنة، بل على الشراكة المتوازنة والاحترام المتبادل. وإذا نجحت مبادرة الشيباني في تحويل هذا التصور إلى مسار سياسي مستدام، فقد يكون ذلك بداية مرحلة جديدة، لا تستنسخ الماضي، بل تؤسس لمستقبل أكثر استقرارا، يكون فيه أمن وتعاون لبنان وسوريا دعامة لاستقرار المشرق العربي برمته.
د. ابراهيم العرب

#رسائل #الشيباني #إلى #بيروت #مصالحة #وشراكة #واستقرار

رسائل الشيباني إلى بيروت: مصالحة وشراكة واستقرار

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – رسائل الشيباني إلى بيروت: مصالحة وشراكة واستقرار

المصدر : www.elsharkonline.com

.