.

اراء و اقلام الدستور – «القومية اللبنانية» وسؤال الهوية واتفاق الطائف

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – «القومية اللبنانية» وسؤال الهوية واتفاق الطائف


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
في كل مرة يدخل لبنان مرحلة تحول كبرى، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة. من نحن؟ ما هذا البلد الصغير المعلق بين الجغرافيا والتاريخ؟ أين تبدأ هويته وأين تنتهي؟ ومع تغير موازين القوى في المنطقة منذ 7 تشرين الأول 2023، عاد إلى التداول خطاب ظن كثيرون أنه أصبح جزءاً من سجالات الماضي: خطاب «القومية اللبنانية».
للوهلة الأولى قد يبدو الأمر أشبه بنقاش فكري أو ثقافي حول الجذور والانتماءات. لكن المسألة أبعد من ذلك بكثير. وعندما تنبعث فكرة «القومية اللبنانية» في هذه اللحظة بالذات، لم يعد الحديث يتعلق بالفينيقيين أو العرب أو موقع لبنان بين الشرق والغرب، بل أصبح نقاشاً في الصيغة التي استقر عليها اللبنانيون بعد حرب أهلية طويلة، وفي العقد الوطني الذي كرّسه اتفاق الطائف عندما أعلن: لبنان وطن نهائي لكل شعبه وعربي في الهوية والانتماء.
القومية اللبنانية واختبار الشدائد
الشعب اللبناني أمة مستقلة، متميزة عن محيطها العربي، وتعود جذورها إلى الفينيقيين. إنها أمة تنتمي إلى البحر أكثر من الأرض، وإلى التاريخ أكثر من الحاضر، وبالتالي إلى المستقبل. الفكرة رسخت في القرن السابع عشر على يد البطريرك الماروني إسطفان الدويهي (1630-1704) في تاريخه، انسجاماً مع ما تمتع به لبنان، أو جبل لبنان تحديداً، من شبه الحكم الذاتي ونوع من الاستقلال عن السلطنة العثمانية. وتعززت الفكرة لاحقاً في أعقاب أحداث 1840-1860، التي أسفرت عن هيمنة سياسية مارونية في لبنان قضت تماماً على زمن الإمارة الدرزية.
وهي مارونية الأصل والأصل، وظهرت كمحاولة لتأطير أو تنظير نظام جبل لبنان المتصرفية. إلا أن وجودها اكتمل بعد وقت قصير من إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ولقطع الطريق أو لمواجهة دعوات لقوميات أخرى: العربية والسورية. «القومية اللبنانية» كانت السور العالي الذي بُني لمواجهة كل دعوات الوحدة مع محيط لبنان، تارة تحت شعار العروبة، وتارة تحت راية سوريا الطبيعية.
مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، كانت «القومية اللبنانية» راية فئة كبيرة في الحرب والأمة الصغيرة. نظر إليها شارل قرم صاحب «الجبل الملهم»، وتفلسف فيها كمال يوسف الحاج، ودعا الشاعر سعيد عقل إلى لغة لبنانية تكتب بالحروف اللبنانية، وكثيرون، من كميل شمعون إلى بشير الجميل، حولوا ما سبق إلى سياسات.
“القومية اللبنانية” تقوض فكرة التعددية
وأن يكون لبنان الوطن الأخير لجميع أبنائه، لا يعني أن الفينيقيين يجب أن يكونوا أجداداً لهم جميعاً. وبالمناسبة، يعتقد العديد من المؤرخين أن الفينيقيين كانوا في الأصل عربا. وتميز اللبنانيين عن محيطهم العربي لا يعني أنهم لا ينبغي أن يكونوا عرباً. فمجرد أنهم مشهورون بمعرفتهم باللغات الأجنبية ويتقنون الفرنسية والإنجليزية بالإضافة إلى العربية، لا يعني أن لغتهم ليست العربية.
وكون لبنان ملجأ وملجأ لمجموعات مختلفة تاريخياً، لا يعني أنهم ينحدرون من عرق واحد وجنسية واحدة. “القومية اللبنانية” في كثير من الأماكن تقوض فكرة التعددية اللبنانية، والتنوع اللبناني، ولبنان الرسالة والوطن النهائي لجميع أبنائه.
أصلاً، جاء اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية ليقول إن العيش المشترك هو ضمانة لبنان. لقد جاء ليقول شيئين: أحدهما للمسلمين والآخر للمسيحيين. وقال للمسلمين إن «لبنان هويته وانتماءه العربي»، وقال للمسيحيين إن «لبنان هو الوطن الأخير لجميع أبنائه». ضمن هذه الثلاثية، خرج اللبنانيون بشكل جماعي من الحرب الأهلية.
نهض لبنان على جناحين. كما ضم عدة ملاحق لكتاب لبنان الصغير. لقد قام على مجموعات عديدة، جمعت بين هويات متعددة وميول ورغبات متنوعة. وكانت نقطة التقاء بين من دعا إلى الانضمام إلى سوريا من العرب والمسلمين، ومن دعا إلى الابتعاد عنهم والانضمام إلى الغرب. لقد ارتكز على دستور وقوانين، وهي أكثر ديمومة من الأفكار والمقترحات السياسية. وارتكزت على الميثاق الوطني، على تسوية اقترحها الرئيسان رياض الصلح والشيخ بشارة الخوري، مع ما يمثلانه.
واتفقوا على لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، وليس لبنان وطناً وجنسية للبنانيين. القومية أكبر من أن يحدها وطن، وأصغر من أن تمحو حدوداً ودستوراً وعقداً اجتماعياً وتاريخاً مشتركاً وعلاقات إقليمية ودولية. العرب أمة واحدة ودول عديدة. والمسلمين كذلك.
رسالة وطن أم قطع الطريق إلى “الطائف”
لبنان رسالة، رسالة يكتبها كل يوم لبنانيون من مختلف المشارب والأهواء والهويات: عرب وأكراد وأرمن وتركمان وأقباط… مسلمون ومسيحيون، والقائمة تطول. تجمعهم الرغبة في العيش معاً، الجغرافيا والجبال والسهول والبحار، وحياتهم ينظمها اتفاق الطائف.
وطن له رسالة وهم يتغنون به، والعالم يتغنى به وعنهم. الوطن يعني الدولة المستقلة والمواطنين. يعني دستور وحدود وقوانين. التركيز على ما سبق. وآخر من يلتفت هو «الحزب»، تارة باسم حماية لبنان خارج حدوده، وتارة باسم المذهب الديني وولاية الفقيه. وكانت هناك محاولات عديدة للالتفاف، أحياناً بحجة الخوف، وأحياناً بدافع القوة والهيمنة.
إن محاولة السلطة السياسية بقيادة الرئيسين جوزف عون ونواف سلام، بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية واحتكار قرار السلم والحرب، وإبعاد لبنان عن كل المحاور السياسية والتحالفات والصراعات في المنطقة، هي محاولة تؤدي إلى وطن، وإلى دولة المواطنة، وليس إلى أمة لبنانية وقومية لبنانية تسعى إلى الحكم، والتاريخ خير شاهد، على انقسامات بين اللبنانيين تتجاوز الخلاف على السياسات هنا وهناك، و خروجاً عن الدستور. القوانين هنا، والانتهاكات السياسية والدستورية هناك، تسببت في موت الأمة. الاختلاف في السياسة شيء، والخلاف على الأمة شيء آخر.
أن تكون مواطناً لبنانياً حدوده الدستور والقانون وتبلغ حدوده 10452 كيلومتراً مربعاً، شيء وأن تكون لبنانياً أو عربياً أو قومياً سورياً شيء آخر. في القول الأول الوطن يتسع للجميع، أما في الثاني فهو لا ملك لأحد، وربما لا وجود له على الإطلاق.
محاولة إحياء «القومية اللبنانية» تقطع الطريق أمام تنفيذ اتفاق الطائف قبل أن تقطع أي طريق آخر.
أيمن الجزيني

#القومية #اللبنانية #وسؤال #الهوية #واتفاق #الطائف

«القومية اللبنانية» وسؤال الهوية واتفاق الطائف

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – «القومية اللبنانية» وسؤال الهوية واتفاق الطائف

المصدر : www.elsharkonline.com

.