دستور نيوز
بقلم عبادة اللادن
“أساس ميديا”
“كان سيموت لو بقي على قيد الحياة.” الحديث يدور عن الأمين العام الراحل لـ«الحزب» السيد حسن نصر الله، والمتحدث ليس ضابطاً إسرائيلياً، بل هو المسؤول الأمني الأعلى رتبة في «الحزب» منذ عشرين عاماً.
وقال وفيق صفا إن «السيد» أصبح شخصاً آخر بعد تفجيرات البيجر، ولم يكن «المشهد الذي حل بالقوة العسكرية لـ«الحزب» الذي كان يبنيه (وسار الأمر على هذا النحو)، إلا بعد الخمسة عشر شهراً (التالي)، وسوريا (سقوط نظام الأسد)». ويلفت توقيت هذا الكشف الانتباه، على اعتبار أنه يأتي في لحظة توقفت فيها الحرائق في الجنوب، ويستعد «الحزب» لمواجهة الآخرين في الداخل.
وافتتح «الحزب» المرحلة الجديدة بحملة تحريضية في وسائل إعلامه ضد المملكة العربية السعودية ومبعوثها الأمير يزيد بن فرحان، مستحضراً إلى الأذهان فترة حرب اليمن التي كان متورطاً فيها من الرأس إلى أخمص القدمين. ويذهب الإعلام إلى حد وصف المملكة العربية السعودية، وليس إسرائيل (!)، بأنها «مصدر الخطر الأكبر على لبنان ومستقبل لبنان ووحدته وسلامة أرضه وشعبه».
ويرافق ذلك حملة ضد رئاسة الجمهورية والحكومة، ووصفهما بـ”سلطة الوصي”، في مسعى لنزع الشرعية عن عملية التفاوض اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن.
وبالتالي، فإن الحملة على المملكة العربية السعودية، وعلى الأمير يزيد شخصياً، هي حملة على التوازن في موقف لبنان وعلاقاته الخارجية، ومحاولة لحسم ضمه إلى إيران، في إطار ترسيم حدود النفوذ الإقليمي في مسار التفاوض الإيراني الأميركي.
رفض جهود الدولة
«الحزب»، ومن خلفه إيران، رفض وقف إطلاق النار عندما جاء عبر الدولة اللبنانية، وأصر على أن يأتي عبر المفاوضات الإيرانية الأميركية لأنهم يريدون إخراج الدولة اللبنانية من المعادلة، وجعل لبنان جبهة إيرانية بحتة، تملك طهران وحدها مفتاحها.
وتحقيقاً لهذه الغاية، يقدم «الحزب» لجمهوره معلومات عن الأضرار الجسيمة التي لحقت ببنيته العسكرية نتيجة الضربات الإسرائيلية، وخاصة الترسانة الصاروخية. وفي هذا السياق، اعترف صفا للمرة الأولى بامتلاك «الحزب» صواريخ باليستية تماثل في القوة التدميرية الصواريخ الإيرانية، لكن إسرائيل دمرتها في بداية الحرب الشاملة.
واللافت أن «الحزب» يستعيد في هذه المرحلة خطاب الضعف، بعد عقدين من خطاب القوة، الذي كان يصور إسرائيل على أنها «أضعف من بيت العنكبوت»، ويؤكد أن السيد نفسه من الجيل الذي سيصلي في القدس. إذن، الأمين العام الشيخ نعيم قاسم يتحدث الآن عن استحالة التفوق على إسرائيل عسكريا، وإعادة المواجهة إلى صيغة كربلاء، حيث مشهد الاستشهاد هو نفس النصر، وليس الطريق إليه.
وبعد ذلك، تعتني وسائل إعلام الحزب الأخرى بالقول إن الشيعة الآن بحاجة إلى المظلة الإيرانية (المباشرة) لحمايتهم، ليس من إسرائيل فقط، بل من الدولة اللبنانية… والمملكة العربية السعودية!
وهذا لا ينفصل عن أسلوب «الحزب» في مواجهة المسائل الداخلية في اليوم التالي للحرب. وفي بيئته، يواجه «الحزب» تساؤلات عن فشل الردع، وعن فاتورة التهجير والدمار، وعن ثمن الانتقام لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وعن طائفة تدفع أثماناً لا تطاق. وخارج بيئته، يواجه المساءلة عن اقتصاد مدمر، ومدن على وشك الانفجار بأزمة نزوح، وبلد غير قادر على تنظيم الامتحانات الرسمية.
انقسام اللبنانيين بين الشرفاء والخونة
وفي عام 2006، رد «الحزب» على أسئلة ما بعد الحرب بخطاب «أشرف الناس»، الذي كان كناية عن انقسام الناس بين معسكرين: شرفاء موالون لـ«الحزب»، وخونة معادون له. ويخشى «الشرفاء» من أن يريد الخونة تحويلهم إلى «حمالين» و«مماسح أحذية». وكان ذلك كافياً للتعتيم على الأسئلة الصعبة وحشد الناس في معركة وجودية ضد عدو متخيل.
لقد أنهى «الحزب» الآن معركته الوجودية مع إسرائيل، وبدأها مع المملكة العربية السعودية. ماذا فعل به وبلبنان؟
وامتنعت المملكة عن التدخل في الشأن اللبناني لسنوات طويلة، كان «الحزب» خلالها معتدياً بشكل مباشر على أمن المملكة، من خلال تورطه في حرب اليمن، وإنشاء معسكرات تدريب للحوثيين، وتشغيل وسائل إعلامهم المناهضة للمملكة من الضاحية الجنوبية. وكانت أبواق الحزب تهاجم المملكة العربية السعودية لابتعادها عن لبنان، وتوقفها عن استيراد البضائع اللبنانية، بعد أن قام نظامها بتفخيخها بشحنات الكبتاغون.
وعادت المملكة إلى لبنان قوة توازن واستقرار. لقد فُتح للشيعة قبل أي شخص آخر، عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، بما يمثله. ولم تدخل في قوارب الولاءات والمنافسات. وكان جهد الأمير يزيد هو انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة لإعادة تشكيل السلطة، بعد سنوات من الفراغ والتفكك والبلى. وفي الأشهر الأولى، أدى ذلك إلى تحسن ملموس في حياة الناس، قبل أن يصبح «الحزب» وحيداً مرة أخرى في اتخاذ قرار بخوض الحرب.
واحتشدت أنباء عن «تناغم» بين الرئيس بري والمبعوث السعودي حول شروط الاستقرار اللبناني، إضافة إلى تصريحات بري الداعمة للدور السعودي الإيجابي. لقد استنفدت أحلام الحزب معتقداً أنها ستعطل أو تعرقل العلاقات بين بري وبن فرحان، وهذا لن يحدث، إذ استمر بري «إيجابياً» في أحاديثه الخاصة عن الأمير يزيد لأنه يدرك طبيعة المرحلة البالغة الصعوبة التي يمر بها لبنان.
ما تريده المملكة العربية السعودية من لبنان هو ما يريده غالبية اللبنانيين لأنفسهم: أن يكون بلداً مستقراً ومتوازناً في علاقاته الخارجية، وألا يكون ساحة لسلاح خارج سلطة الدولة ومركزاً إقليمياً لتجارة المخدرات. وغير ذلك فإن المملكة العربية السعودية غير معنية بالبحث عن الولاءات وتشكيل القيادة.
سوريا نموذجاً
ولعل العلاقات السعودية السورية توضح الصورة. لم يأت الرئيس السوري أحمد الشرع من خلفية موالية للمملكة، لكنها انفتحت عليه بعد توليه السلطة انطلاقا من التزامه المعلن بأن بلاده لن تكون مرتعا للأزمات والميليشيات والمخدرات، بل ستكون واحة للتنمية وتقارب المصالح الاقتصادية. وبهذه الطريقة كان له الحق في أن يتشابك مصالحه وعلاقاته الاقتصادية مع من يشاء، من تركيا إلى قطر والإمارات والمملكة العربية السعودية والعراق ومصر. وليس المطلوب من لبنان أكثر من ذلك: أن يكون دولة مستقرة ومتوازنة، من دون فراغ في الحكم، ومن دون اغتراب في قراره وعلاقاته الخارجية ووحدة أسلحته المشروعة.
«الحزب» يتهرب من أسئلة شعبه ومحاسبة اللبنانيين أمام مواجهة لا يحتاج إليها لبنان، كما لم يكن بحاجة إلى حرب الدعم وحرب الانتقام لخامنئي. والأدهى من ذلك أن «الحزب» يستبدل المظلة الإيرانية المباشرة بفائض القوة، بعد الضربات العسكرية والأمنية المدمرة التي تلقاها. ولتحقيق هذه الغاية، سيصبح لبنان البؤرة النشطة للصدع الزلزالي في المنطقة، حتى عندما تنخرط إيران في مفاوضات مع أميركا أو حوار مع دول الخليج. وستكون مهمة الحزب هي جعل البلاد ووسائل إعلامها ساحة لإرسال الرسائل وتنفيس التوتر الكامن على جبهات أخرى.
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لقوة الحزب العسكرية الفائضة على مدى عقدين من الزمن، ويدفع الآن ثمناً مضاعفاً بعد أن «سار الأمر على هذا النحو»، على حد تعبير صفا.
عبادة الله
#الحملة #على #السعودية #حتى #لا #يموت #الحزب #نتيجة
الحملة على السعودية: حتى لا يموت «الحزب» نتيجةً!
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الحملة على السعودية: حتى لا يموت «الحزب» نتيجةً!
المصدر : www.elsharkonline.com
