.

اراء و اقلام الدستور – التفاهم الأميركي الإيراني: السؤال ليس من انتصر.. بل ماذا تعلمنا؟

سامر الشخشير27 يونيو 2026
اراء و اقلام الدستور – التفاهم الأميركي الإيراني: السؤال ليس من انتصر.. بل ماذا تعلمنا؟


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى
فبعد سنوات عديدة من التوترات المتصاعدة، والتهديدات المتبادلة، والعقوبات الاقتصادية، والعمليات العسكرية غير المباشرة، أعاد الحوار بين الولايات المتحدة وإيران تأكيد نفسه باعتباره الخيار الأقل تكلفة.
في لحظات التحول الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، يصبح التمييز بين الحقائق والرغبات ضرورة سياسية وفكرية.
ومن هذا المنطلق فإن التفاهم الأميركي الإيراني يتطلب قراءة تتجاوز منطق الفائزين والخاسرين نحو فهم المصالح وتوازنات القوى التي تحكم سلوك الدول وتحدد خياراتها.
أثبتت التجربة أن العلاقة بين واشنطن وطهران كانت، منذ أكثر من أربعة عقود، مزيجا من التنافس السياسي والتوتر الأمني ​​والعقوبات الاقتصادية والصراعات غير المباشرة. إلا أن قنوات الاتصال بين الطرفين لم تنقطع، لأن الدول مهما اشتدت الخلافات بينها تظل يحكمها منطق المصالح أكثر من أي اعتبارات أخرى.
وفي هذا السياق، جاء التفاهم الأخير نتيجة لعملية طويلة من الاتصالات والمفاوضات والوساطات التي هدفت إلى احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى المواجهة المفتوحة.
وتنبع أهمية هذا المسار من أنه لا يقتصر على الملف النووي الإيراني فقط، بل يمتد إلى ملفات العقوبات والأمن الإقليمي وحرية الملاحة والعمليات العسكرية غير المباشرة، ما يجعله إطارا أوسع لإدارة العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا التفاهم وعياً متبادلاً بين واشنطن وطهران بأن تكلفة المواجهة الشاملة أصبحت أعلى بكثير من تكلفة إدارة الخلافات.
وتسعى الولايات المتحدة إلى تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط في ظل تزايد الأولويات الدولية والتعقيدات الاستراتيجية المعقدة، بينما تتطلع إيران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من أموالها المجمدة وتحسين ظروفها وأوضاعها الداخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
ومن هنا تبدو هذه التفاهمات أقرب إلى إعادة تنظيم التوازنات القائمة منها إلى التسوية النهائية للخلافات.
ولا تزال الخلافات الجوهرية بين الطرفين قائمة، لكن إدارة الصراع أصبحت، في هذه المرحلة، أكثر واقعية.
إلا أن أهمية هذا المسار لا تقتصر على طرفيه المباشرين.
لم يعد الشرق الأوسط ساحة تتحكم في مصائرها قوتان فقط. بل أصبحت مساحة لتقاطع مصالح وأدوار قوى إقليمية ودولية متعددة، بما في ذلك دول الخليج وتركيا وإسرائيل، إضافة إلى الوجود الروسي والصيني المتزايد.
ولذلك فإن أي تفاهم أميركي – إيراني لن يكون العامل الوحيد في تشكيل مستقبل المنطقة، وإن كان من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاهاتها السياسية والأمنية.
وتبرز أهمية هذا الفهم أيضًا أبعاده الاقتصادية والاستراتيجية.
وتشير البنود المتعلقة بالعقوبات وتصدير النفط الإيراني والأصول المالية المجمدة إلى أن الهدف لا يقتصر على تجنب المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى إعادة دمج إيران تدريجياً في الدورة الاقتصادية العالمية.
كما أن التفاهمات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز تمنحه بعدا دوليا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية، نظرا للدور الحيوي الذي يلعبه المضيق في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية ومستدامة، خاصة في مجالات النفوذ الإقليمي الممتدة من الخليج إلى المشرق.
إن المعيار الحقيقي لنجاح أي اتفاق لا يكمن في توقيعه أو الإعلان عنه، بل في قدرته على خفض مستويات التوتر واحتواء الصراعات والحد من الحروب بالوكالة التي أنهكت شعوب واقتصادات المنطقة.
واستدامة هذا المسار ليست مضمونة.
وقد أثبتت التجارب السابقة بين واشنطن وطهران أن أي تفاهم يظل عرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف السياسية أو تعارضت مصالحها مع حسابات القوى المؤثرة داخليا وإقليميا.
ولذلك يبقى التفاؤل مشروعا، لكن الحذر يبقى أكثر واقعية.
في المقابل، لا توحي هذه التفاهمات بأن إيران تتجه نحو الانسحاب من المنطقة أو التخلي عن نفوذها الإقليمي. بل يبدو أنها تسعى إلى تنظيم هذا النفوذ ضمن قواعد جديدة تقلل من احتمالات المواجهة المباشرة وتسمح لها بالحفاظ على مكاسبها السياسية والأمنية.
ولذلك قد نكون أمام انتقال تدريجي من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة النفوذ والتوازنات.
أما لبنان الذي كان دائما من أكثر الدول تأثرا بالتحولات الإقليمية، فهو اليوم أمام فرصة لالتقاط أنفاسه بعد سنوات من الأزمات المتراكمة والانهيارات السياسية والاقتصادية والمالية.
ومن الطبيعي أن ينعكس أي تراجع في مستوى التوتر بين واشنطن وطهران على الساحة اللبنانية، سواء بتخفيف الضغوط السياسية والأمنية أو بتوفير مناخ أكثر ملاءمة لعمل المؤسسات الدستورية وتنشيط الحياة الاقتصادية.
وهذا المناخ قد يساهم أيضاً في استعادة جزء من الثقة الدولية بلبنان وفتح المجال أمام الاستثمار والسياحة والدعم الخارجي، لكنه في الوقت نفسه لا يشكل بديلاً عن الإصلاحات التي يحتاجها اللبنانيون للخروج من أزماتهم المتراكمة.
وفي هذا السياق فإن أي تفاهم أميركي – إيراني يفتح الباب للنقاش حول موقف ودور حزب الله في المرحلة المقبلة.
ومن الطبيعي أن يؤدي أي هدوء إقليمي مستدام إلى إعادة طرح مسألة الاستراتيجية الدفاعية والعلاقة بين الدور العسكري لحزب الله ودور الدولة ومؤسساتها الشرعية.
إلا أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بمنطق القوة، بل عبر حوار وطني مسؤول يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وتعزيز سيادتها على كامل أراضيها.
ويبقى حصرية السلاح بيد الدولة هدفاً وطنياً مشروعاً، لكن تحقيقه يتطلب توافقات وضمانات متبادلة تحفظ الاستقرار الداخلي وتعزز الوحدة الوطنية.
وفي الوقت نفسه، يبقى الاستفادة من أي مناخ إقليمي أكثر هدوءاً مرتبطاً بقدرة اللبنانيين على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون.
قد يفتح المجتمع الدولي الأبواب أمام لبنان، لكنه لا يستطيع بناء الدولة نيابة عن اللبنانيين.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه التجربة هو أن العلاقات الدولية لا تدار بالعواطف أو الشعارات، بل بحسابات المصالح والتكلفة والعائد.
كما يؤكد أن التنافس لا يلغي إمكانية التفاوض، وأن الصراعات الطويلة قد تنتهي إلى تفاهمات عندما يدرك الطرفان أن تكلفة المواجهة أصبحت أعلى من تكلفة التسوية.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات والأولويات بسرعة، تبدو البراغماتية السياسية أكثر حضورا من الشعارات الإيديولوجية، ويصبح الحوار، مهما كان صعبا، أقل تكلفة من الحروب المفتوحة.
وفي الختام، قد يختلف المراقبون حول من حقق مكاسب أكبر من هذا الفهم، لكن المؤكد هو أن السياسة الدولية لا تقاس بمنطق المنتصر والمهزوم، بقدر ما تقاس بقدرة الدول على حماية مصالحها، وتجنب تكاليف الصراعات، وإدارة التحديات بأقل الخسائر الممكنة.
بعد كل حرب أو أزمة، ينشغل الجميع بالسؤال التقليدي: من انتصر ومن هزم؟ ولكن ربما حان الوقت لطرح السؤال الأهم والمفيد: ماذا تعلمنا؟
ديفيد عيسى

#التفاهم #الأميركي #الإيراني #السؤال #ليس #من #انتصر. #بل #ماذا #تعلمنا

التفاهم الأميركي الإيراني: السؤال ليس من انتصر.. بل ماذا تعلمنا؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – التفاهم الأميركي الإيراني: السؤال ليس من انتصر.. بل ماذا تعلمنا؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.