دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
قضية الجنوب اللبناني لم تعد مجرد قضية حدودية مرتبطة بوقف إطلاق النار أو ترتيبات أمنية مؤقتة. بل أصبحت اليوم أحد أبرز العناوين في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بعد الحرب، حيث تتقاطع حسابات القوى الدولية ومصالح الأطراف المحلية ومستقبل التوازنات الأمنية في منطقة طالما كانت مسرحاً للصراعات.
وفي هذا السياق، تنطلق جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وهي الجولة الخامسة منذ بدء المسار التفاوضي في نيسان/أبريل الماضي، في محاولة لتحويل الهدنة الهشة إلى تفاهم أكثر استقراراً، وإرساء إطار سياسي وأمني ينهي حالة الحرب المفتوحة. لكن هذه الجولة تأتي في ظروف أكثر تعقيدا من سابقاتها، إذ تعقد وسط خلاف مستمر حول مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب، وفي ظل تحولات إقليمية مرتبطة بالحوار الأميركي الإيراني وتباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن العاصمة الأميركية واشنطن ستستضيف هذه المحادثات بين 23 و25 حزيران/يونيو، بمشاركة وفدين لبناني وإسرائيلي، وبرعاية مباشرة من الإدارة الأميركية، وبحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في سياق الإشراف السياسي. ويضم الوفد اللبناني ممثلين عن المستويين الأمني والسياسي، فيما يشارك الجانب الإسرائيلي بوفد مماثل، وسط متابعة مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وتكتسب هذه الجولة أهميتها من أنها لا تقتصر على ملف أمني واحد، بل ترتكز على مسارين متوازيين: مسار أمني يبحث الترتيبات الميدانية، ومسار سياسي يهدف إلى صياغة إطار للعلاقة المستقبلية بين لبنان وإسرائيل، بما في ذلك مسودة «إعلان النوايا السياسية» التي ترعاها واشنطن.
كما أن تثبيت وقف إطلاق النار يأتي في مقدمة الأولويات اللبنانية، باعتباره البوابة الطبيعية لأي معالجة لاحقة. لكن الخلاف الأساسي يدور حول ما سيأتي بعد وقف إطلاق النار: هل سيكون مقدمة لانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، أم أنه سيتحول إلى صيغة أمنية طويلة الأمد تحافظ على الهامش العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب؟
بداية، يدخل لبنان في هذه المفاوضات على أساس واضح: أي ترتيب أمني يجب أن يؤدي في نهاية المطاف إلى انسحاب إسرائيلي كامل واحترام السيادة اللبنانية، بينما تتمسك إسرائيل برؤية مختلفة تقوم على ضمان أمن حدودها الشمالية قبل أي انسحاب، وتربط خطواتها الميدانية بما تعتبره ضمانات لمنع عودة التهديدات العسكرية إلى المنطقة الحدودية. ومن هنا، يبرز موضوع ما تسميه إسرائيل “المناطق التجريبية”، حيث يجري البحث لإنشاء مناطق محددة ستنتقل مسؤوليتها تدريجياً إلى الجيش اللبناني، على أن يتولى الأخير مهمة حفظ الأمن ومنع وجود أي أسلحة أو مجموعات مسلحة فيها. ويرى الجانب اللبناني أن هذه الخطوة يمكن أن تكون مدخلاً عملياً للانسحاب، على ألا يتحول إلى صيغة تؤدي إلى تكريس الاحتلال أو إبقاء المناطق الجنوبية تحت النفوذ الأمني الإسرائيلي الدائم.
لكن العقدة الرئيسية تبقى في آلية الإشراف. ويفضل لبنان أن تكون الرقابة من خلال آلية دولية قائمة، سواء من خلال لجنة المراقبة أو قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، حفاظاً على مبدأ الوساطة وعدم الانتقال إلى علاقة أمنية مباشرة مع إسرائيل. في المقابل، تدفع تل أبيب إلى تشكيل لجنة أمنية مشتركة تسمح بالتنسيق المباشر، وهو ما يرفضه لبنان لأنه قد يفرض واقعا سياسيا جديدا يتجاوز إطار الدولة اللبنانية والشرعية الدولية.
كما تأتي هذه المفاوضات بعد حوار أميركي إيراني في سويسرا، حيث كانت مسألة الحرب في لبنان حاضرة في المناقشات الإقليمية. ويطرح هذا المسار تساؤلات حول مدى تأثير أي تفاهم بين واشنطن وطهران على مستقبل جنوب لبنان. وحتى لو أدى التقارب الأميركي الإيراني إلى تخفيف حدة التوتر الإقليمي، فإن مسألة الانسحاب الإسرائيلي تظل مرتبطة بشكل أساسي بموقف تل أبيب وآليات الضغط الدولية عليها. إسرائيل هي الطرف الموجود على الأرض في الأراضي اللبنانية، وبالتالي فإن أي اتفاق لا يتضمن خطوات تنفيذية واضحة معها يبقى محدود الأثر.
لقد عبرت التصريحات الإيرانية عن أن إنهاء الحرب مرتبط بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها، لكن الموقف السياسي شيء، وتحويله إلى التزام عملي شيء آخر. وتظهر التجارب السابقة في المنطقة أن الاتفاقات لا تقاس بما تتضمنه نصوصها فقط، بل بقدرة الأطراف على فرض تنفيذها وضمان استمراريتها. ولا يمكن قراءة مستقبل الجنوب بمعزل عن موقع حزب الله في المعادلة. والحزب ليس طرفاً مباشراً في المفاوضات الحالية، لأن الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يمثل لبنان رسمياً، لكنها تبقى حاضرة كأحد الملفات الأساسية التي تدور حولها الشروط الإسرائيلية. ففي حين تحاول إسرائيل طرح الموضوع على أنه مرتبط بقدرات حزب الله العسكرية وانتشاره جنوب الليطاني، فيما يؤكد لبنان أن التعامل مع أي ملف أمني يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس عبر تفاهمات دولية خارج إطارها.
وهنا تظهر أهمية بناء موقف لبناني موحد، لأن قوة الدولة التفاوضية لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي، بل على قدرتها على تقديم نفسها كمرجع وحيد في إدارة ملف الأمن والسيادة.
في المقابل، تأتي هذه الجولة في ظل مؤشرات على وجود خلافات بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية في ما يتعلق بإدارة الملفات الإقليمية. وتدرك واشنطن، رغم دعمها التاريخي لإسرائيل، أن استمرار المواجهات المفتوحة يهدد استقرار المنطقة ويزيد من التكاليف السياسية والأمنية للصراع، في حين ترى الحكومة الإسرائيلية أن الحفاظ على هامش عسكري واسع يشكل عنصرا أساسيا في استراتيجية الردع. وهذا التناقض قد يمنح لبنان مساحة دبلوماسية إضافية، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستفرض على إسرائيل مساراً يتعارض تماماً مع رؤيتها الأمنية. لذلك فإن نجاح لبنان يتطلب استثمار اللحظة السياسية بحكمة، وليس انتظار الحلول من الخارج.
وبالإضافة إلى الجانب العسكري، يبقى الملف القانوني والسياسي حاضراً بقوة، لا سيما فيما يتعلق بترسيم الحدود البرية والنقاط الخلافية القائمة منذ سنوات، إضافة إلى الدور المستقبلي لليونيفيل وتنفيذ القرار 1701. فالانسحاب العسكري، رغم أهميته، لا يكفي وحده. وذلك لأن السيادة الحقيقية تتطلب نظاماً متكاملاً يتضمن تثبيت الحدود، وتعزيز سلطة الدولة، وإعادة بناء القرى المتضررة، وضمان عودة السكان إلى أراضيهم في ظروف آمنة ومستقرة. الجنوب ليس مجرد منطقة جغرافية متنازع عليها، بل هو مجتمع بأكمله دفع ثمن صراعات متكررة، وأي تسوية لا تأخذ في الاعتبار الأبعاد الإنسانية والاقتصادية ستبقى ناقصة مهما كانت أهميتها سياسيا.
وفي الختام، فإن معركة استعادة جنوب لبنان اليوم ليست معركة انسحاب عسكري فحسب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها باعتبارها السلطة الوحيدة في قضايا السيادة والأمن الوطني. وقد تشكل المفاوضات المقبلة فرصة تاريخية إذا تمكن لبنان من تحويل المتغيرات الإقليمية والدولية إلى مكاسب عملية، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة إذا تحولت إلى مجرد إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
ولا تتم استعادة السيادة بعودة الجنود عبر الحدود فحسب، بل ببناء دولة قادرة على حماية أرضها، وإدارة علاقاتها الخارجية، وتحويل التضحيات التي قدمها اللبنانيون على مدى العقود الماضية إلى مشروع استقرار دائم. ويبقى الرهان الأساسي: هل يستطيع لبنان أن يجعل من لحظة التفاوض الحالية بداية مرحلة جديدة عنوانها الدولة والشرعية والقانون، أم أن الجنوب سيبقى من جديد ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
د. ابراهيم العرب
#استعادة #الجنوب #اختبار #السيادة #في #زمن #التفاوض
استعادة الجنوب: اختبار السيادة في زمن التفاوض
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – استعادة الجنوب: اختبار السيادة في زمن التفاوض
المصدر : www.elsharkonline.com
