.

اراء و اقلام الدستور – لا لطرح ترامب.. فلتبني سوريا وليتعافى لبنان

سامر الشخشيرمنذ 26 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – لا لطرح ترامب.. فلتبني سوريا وليتعافى لبنان


دستور نيوز

بقلم الدكتور يوسف العميري
في السياسة، لا تذهب التصريحات الكبرى سدى، خاصة عندما يصدرها رئيس الولايات المتحدة. ولذلك فإن الكلام المنسوب للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي يقترح فيه أن تترك إسرائيل مهمة التعامل مع حزب الله لسوريا لأنه – على حد تعبيره – سيؤدي المهمة على نحو أفضل، لا يمكن اعتباره مجرد رأي عابر، بل يعكس عقلية سياسية تقوم على إعادة رسم أدوار دول المنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى، حتى لو كان الثمن استقرار الشعوب التي أنهكتها الحروب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا تهدف سوريا إلى التحول إلى ساحة معركة جديدة؟ ولماذا يُطلب منها خوض معارك الآخرين، وهي دولة لم تكاد تلتقط أنفاسها بعد أكثر من عقد من الدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي؟
لقد دفعت سوريا أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية، إذ دمرت مدن، وتراجع الاقتصاد، وانهيارت البنية التحتية، واضطر ملايين المواطنين إلى الفرار داخل البلاد وخارجها. واليوم، بعد أن بدأت بوادر عودة خجولة إلى الحياة، وظهرت محاولات لإعادة بناء وترميم مؤسسات الدولة، يقترح هؤلاء إثقالها بعبء أمني وعسكري جديد، وكأن معاناة السوريين لم تكن كافية.
والوضع نفسه ينطبق على لبنان.
ويشهد لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. لقد فقدت عملته معظم قيمتها، ومؤسساته تكافح من أجل الاستمرار، وشبابه يهاجر بحثاً عن الفرص، فيما يحاول اللبنانيون، رغم كل الانقسامات، إعادة بناء دولتهم وإنقاذ اقتصادهم واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
فهل المطلوب من هذا البلد أن يعود مرة أخرى إلى دوامة الحروب، أو بالأحرى أن يبقى هناك إلى الأبد؟
وأخطر ما في مثل هذه التصريحات والمقترحات الخبيثة أنها تعيد إنتاج مفهوم الحروب بالوكالة، حيث تتحول الدول إلى أدوات لتنفيذ أجندات الآخرين، بينما تظل الدول الكبرى بعيدة عن ساحات القتال، تراقب المشهد وتدير الصراع من وراء الكواليس.
التاريخ الحديث في الشرق الأوسط حافل بهذه الأمثلة: دول منهكة لعقود من الزمن لأنها وجدت نفسها متورطة في صراعات لا تخدم مصالح شعوبها، بل جاءت استجابة لحسابات إقليمية ودولية أكبر منها، وكانت النتيجة دائما واحدة: دمار اقتصادي، وانقسامات اجتماعية، وتأخر تنمية، وخسارة أجيال بأكملها.
إذا كانت إسرائيل المحتلة تعتقد أن لديها تحديات أمنية، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد حماية حليفتها، فلماذا تطلب من دولة أخرى أن تتحمل تكاليف المواجهة؟
لماذا يصبح أمن إسرائيل مسؤولية سوريا، بينما يبقى إعادة إعمار سوريا مسؤولية السوريين وحدهم؟
المنطق السياسي السليم يقول إن كل دولة مسؤولة عن أمنها وسيادتها، لكن نقل الأعباء العسكرية إلى دول الجوار لا يخلق الاستقرار، بل يوسع دائرة الصراع ويخلق أزمات جديدة.
كما أن إقحام سوريا في مواجهة جديدة لن يؤثر على سوريا وحدها، بل سيمتد تأثيره إلى لبنان والأردن والعراق، وربما إلى المنطقة برمتها. ولم يعد الشرق الأوسط يتحمل جبهة إضافية، ولا يمكن لشعوبه أن تتحمل دورة جديدة من الصراعات، بعد سنوات طويلة من الحروب التي أنهكت البشر والاقتصاد وفرص التنمية.
والمفارقة أن العالم كله يتحدث اليوم عن إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية وعودة اللاجئين وانتعاش الاقتصادات، في حين أن مثل هذه التصريحات تدفع المنطقة في الاتجاه المعاكس تماما.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فتح جبهة جديدة، بل فتح المصانع والمدارس والجامعات، واستكمال مشاريع إعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وإعادة اللاجئين إلى ديارهم.
ما يحتاجه لبنان ليس حربا جديدة، بل الإصلاح الاقتصادي، واستعادة ثقة المستثمرين، وإنقاذ قطاعه المصرفي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيه.
فالناس لا يعيشون على أصوات المدافع، بل يعيشون على الاستقرار والاقتصاد والتعليم والعمل.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض القوى الدولية، وعلى رأسها أمريكا، لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره رقعة شطرنج، تتحرك فيها الدول وفق حسابات النفوذ، وليس وفقا لمصالح شعوبها. وقد أثبت هذا الرأي فشله مراراً وتكراراً، لأنه لم يسفر إلا عن المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
لقد حان الوقت للسماح للسوريين بإعادة بناء وطنهم، وترك اللبنانيين يتعاملون مع أزماتهم بأيديهم، بعيداً عن مشاريع الاستنزاف والصراعات المفتوحة.
إن المنطقة لا تحتاج إلى عملاء حرب جدد، بل إلى شركاء في السلام والتنمية.
من حق سورية أن تتعافى، ومن حق لبنان أن ينهض، ومن حق شعبه أن يعيش بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية التي لم تجلب له سوى الألم والخسارة.
أما الدول الكبرى، إذا كانت حريصة حقاً على استقرار المنطقة، فعليها أن تساعد في إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد وتشجيع الحوار، بدلاً من البحث عن ساحات جديدة لتبادل الرسائل العسكرية.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائما بدفع الناس الثمن.
لذلك فإن الرسالة التي يجب أن تقال بوضوح هي: فلتبني سوريا، وليتعافى لبنان. لقد حان الوقت لهذا الجزء المنهك من العالم أن يعيش سنوات من السلام، بدلاً من أن يصبح مسرحاً لحروب الآخرين مراراً وتكراراً.
د.يوسف العميري

#لا #لطرح #ترامب. #فلتبني #سوريا #وليتعافى #لبنان

لا لطرح ترامب.. فلتبني سوريا وليتعافى لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لا لطرح ترامب.. فلتبني سوريا وليتعافى لبنان

المصدر : www.elsharkonline.com

.